صبحي شبانة
لم تعد الحروب في صورتها التقليدية كما عرفها التاريخ؛ مواجهةً عسكرية تُحسم بمدافعٍ تتقدم ودباباتٍ تفرض وقائعها على الأرض. فقد انتقلت طبيعة الصراع في العالم المعاصر إلى مستويات أكثر تركيبًا، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، ويتشابك فيها الميدان مع الفضاء الإعلامي، حتى باتت الحرب أقرب إلى منظومة متعددة الوجوه، تتغير أدواتها بقدر ما تتغير أهدافها.
وفي هذا السياق الجديد، لم يعد الرأي العام مجرد متلقٍ لوقائع الصراع، بل أصبح طرفًا فاعلًا في صياغة مساراته، بل وفي رسم ملامح نهاياته قبل أن تتوقف أصوات السلاح. فالمعركة لم تعد تُدار فقط على الأرض، بل في وعي الجماهير، وفي ساحة الإدراك العالمي، حيث تُصاغ الانطباعات وتُبنى المواقف وتُحدد الاتجاهات.
ومع هذا التحول، تراجع الدور الحاسم للقوة العسكرية التقليدية وحدها، لصالح قوة أكثر خفاءً وتأثيرًا: قوة الإعلام. إذ أصبح امتلاك أدواته، وإحكام توظيف رسائله، عنصرًا لا يقل أهمية عن امتلاك العتاد، بل ربما يفوقه تأثيرًا في لحظات الحسم. فالإعلام اليوم لم يعد ناقلًا للأحداث فحسب، بل شريكًا في صناعتها، وأداة في توجيهها، وسلاحًا يُستخدم بذكاء لإعادة تشكيل الواقع أو إعادة تفسيره، لم تعد نهاية الحروب تُكتب في ميادين القتال وحدها، بل باتت تُرسم أيضًا في ميادين الوعي، حيث تتداخل الحقيقة مع الصورة، وتُعاد صياغة موازين القوة بعيدًا عن ضجيج المعارك.
تعد المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بما تحمله من تشابكات إقليمية وتشعّبات دولية، بوصفها أحد أكثر نماذج الصراع تعقيدًا في المرحلة الراهنة، حتى إن بعض التحليلات السياسية باتت تشير إليها اصطلاحًا بـ»حرب الخليج الثالثة»، غير أن هذا الوصف، على ما يحمله من دلالة رمزية، لا يكفي للإحاطة بطبيعة صراع لم يعد يُدار وفق منطق الحروب الكلاسيكية، حيث تُحسم المعارك في ميادين واضحة وتُعلن نهاياتها ببيانات رسمية حاسمة.
فالمشهد اليوم يتجاوز مفهوم الحرب بوصفها مواجهة عسكرية مباشرة، إلى فضاء أوسع وأكثر التباسًا، تتداخل فيه مستويات القوة المختلفة في آن واحد: من الضغوط الاقتصادية التي تعيد تشكيل قرارات الدول، إلى أدوات الردع غير التقليدية، وصولًا إلى الحرب النفسية التي تُدار عبر التصريحات المتناقضة، والتسريبات المدروسة، والتي كثيرًا ما تستهدف تشكيل الإدراك قبل تشكيل الواقع نفسه، في هذا المشهد، لم تعد المعلومة أقل أهمية من الصاروخ، ولم يعد الأثر الإعلامي أقل وزنًا من التحرك العسكري على الأرض.
وتزداد الصورة تعقيدًا حين يصبح الفعل السياسي نفسه جزءًا من معركة متعددة الجبهات، تُدار فيها الرسائل على أكثر من مستوى: العلن والخفاء، التصعيد والتهدئة، التهديد والمساومة، فكل تصريح قد يكون أداة ضغط، وكل تحرك اقتصادي قد يحمل دلالة إستراتيجية، وكل تهدئة مؤقتة قد تكون جزءًا من إعادة تموضع أوسع، وهكذا تتحول الحرب إلى صراع مفتوح تتداخل فيه المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية، فلا تُقاس نتائجها فقط بعدد المواجهات، بل بقدرة الأطراف على التحكم بإيقاعها ومنع انزلاقها نحو مواجهة شاملة.
وفي مثل هذا النوع من الصراعات، تتراجع الحدود الفاصلة بين الحرب والسلم، وتغدو المساحات الجيوسياسية المحايدة فضاءً رماديًا تتشكل فيه ملامح القوة الفعلية، لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر إدارة التوازنات الدقيقة والتحكم في إيقاع التصعيد ومنع انزلاقه نحو مواجهة شاملة. عند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود الحسم مرتبطًا بميادين القتال بقدر ما يرتبط بقدرة الأطراف على ضبط إيقاع الأزمة وإعادة تعريف أدوات النفوذ داخلها.
ومن هنا، فإن فهم هذا الصراع لا يكتمل عبر تتبع التحركات العسكرية وحدها، بل عبر قراءة أعمق لشبكة المصالح والرسائل غير المباشرة وأدوات التأثير غير التقليدية التي باتت تشكل جوهر السياسة الدولية المعاصرة، ففي عالم لم يعد فيه الحسم العسكري وحده كافيًا لإنهاء النزاعات، تصبح القدرة على إدارة تعقيدات الصراع هي الشكل الجديد للقوة، ويغدو الصبر الإستراتيجي أحيانًا أكثر فاعلية من الحسم السريع.
في هذا السياق، برزت المواجهة الأمريكية - الإيرانية كأحد أكثر النماذج وضوحًا لهذا التحول، حيث لم يعد الصراع محصورًا في ساحات الاشتباك المباشر، بل امتد إلى الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمثل شريانًا حيويًا لتدفقات النفط العالمية، وأي تهديد لهذا الممر كان كفيلًا بإرباك الأسواق الدولية، ورفع منسوب المخاطر الجيوسياسية بشكل فوري، غير أن ما ميّز هذا المشهد تحديدًا هو بروز فاعلين إقليميين تمكنوا من إعادة صياغة قواعد اللعبة، ليس عبر الانخراط المباشر في الصراع، بل من خلال توظيف موقعهم الجيوسياسي وقدراتهم الاقتصادية والدبلوماسية لتحقيق قدر من التوازن في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، وفي هذا الإطار، برز دور المملكة العربية السعودية كأحد أهم عناصر الاستقرار النسبي في المعادلة الإقليمية.
فالمقاربة السعودية للأزمة لم تُبنَ على ردود الفعل، بل على قراءة استباقية لطبيعة التحولات الجارية في الإقليم والعالم، ومنذ المراحل الأولى للتصعيد، أدركت الرياض أن أي انزلاق نحو مواجهة شاملة لن يهدد أمن المنطقة فحسب، بل سيُلحق ضررًا واسعًا بالاقتصاد العالمي واستقرار أسواق الطاقة، ومن هذا المنطلق، سعت المملكة مبكراً على تثبيت معادلة دقيقة تقوم على احتواء التصعيد من جهة، وضمان استمرارية تدفق الطاقة من جهة أخرى، مع الحفاظ على مسافة متوازنة من أطراف الصراع.
وفي موازاة البعد الجيوسياسي للأزمة، برزت أهمية البنية التحتية للطاقة بوصفها أحد مفاتيح الاستقرار في لحظات التوتر الإقليمي، ومن خلال خطوط الأنابيب والموانئ الممتدة نحو البحر الأحمر، جاء هذا التطوير ليعكس رؤية لوجستية إستراتيجية متقدمة، لم تكن مجرد خيار تشغيلي، بل تحوّلت إلى عنصر إستراتيجي عزز من مرونة المملكة في مواجهة الأزمات، ورفع من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التصديرية حتى في أكثر الظروف اضطرابًا، وقد أسهم هذا التحول في تقليص أثر التهديدات المرتبطة بممرات الملاحة التقليدية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ما أعاد توزيع حساسية الطاقة في الإقليم على نحو أكثر توازنًا، وقلّص من قدرة التصعيد العسكري على استخدام ملف الإمدادات النفطية كورقة ضغط مباشرة.
وقد انعكس هذا التحول على موازين الضغط في المنطقة والاقليم، إذ أدى إلى تقليص فعالية التهديدات المرتبطة بإمدادات الطاقة، ما حدّ من قدرة التصعيد العسكري على التأثير المباشر في الأسواق، وأسهم في كبح اندفاع بعض بؤر التصعيد، كما لعبت سياسات المملكة داخل إطار منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) دورًا مهمًا في تعزيز استقرار الأسواق عبر إدارة متوازنة للإنتاج والإمدادات.
إلى جانب ذلك، حافظت الرياض على نهج دبلوماسي متزن، قائم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما يتيح تخفيف التوترات ونقل الرسائل في لحظات الحساسية الإقليمية، هذا الدور، وإن كان غير تصادمي، أسهم في تهيئة بيئة أكثر قابلية للتهدئة التدريجية، وأبقى على مسار التفاوض كخيار قائم وواقعي.
ومع تصاعد التكلفة الاقتصادية والسياسية للصراع على جميع الأطراف، بدأت ملامح التحول نحو الحلول التفاوضية تتقدم تدريجيًا، وفي هذا السياق، برز أثر السياسة السعودية ليس فقط فيما قامت به من أدوار، بل أيضًا فيما تجنبت الانخراط فيه، إذ إن الحفاظ على موقع متوازن بعيدًا عن الاستقطاب الحاد منحها قدرة أكبر على التأثير في مرحلة إعادة الترتيب السياسي اللاحق.
كشفت هذه المرحلة أن موازين القوة في الحروب الحديثة لم تعد تُقاس بقدرات الجيوش وحدها، بل بمدى القدرة على إدارة التعقيد والتحكم في أدوات الاقتصاد والسياسة والطاقة في آن واحد، وقد أظهرت المملكة العربية السعودية، من خلال مقاربة متدرجة ومتوازنة، قدرتها على التحرك كفاعل إستراتيجي يسهم في إعادة ضبط الإيقاع الإقليمي، ويعزز فرص الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسوية.
وعندما تقترب لحظة إعادة صياغة الترتيبات السياسية لما بعد الصراع، ستبرز أهمية الأدوار التي لم تكتفِ بتفادي الانخراط في الاستنزاف، بل نجحت في الحفاظ على الاستقرار وتوسيع هوامش التهدئة، وفي هذا الإطار، تظل المملكة حاضرة بوصفها أحد أهم مراكز الثقل التي يمكن أن تسهم في بناء توازن إقليمي أكثر استقرارًا وواقعية.
يبدو أن هذا النمط من الصراعات يفرض إعادة تعريف شاملة لمفهوم الحرب ذاته، إذ لم يعد الحسم مرتبطًا بنتائج المعارك وحدها في الميدان، بل بقدرة الأطراف على إدارة التعقيدات، والتحكم في مسارات التصعيد، وإعادة توظيف أدوات القوة التقليدية، وغير التقليدية في آن واحد.
فكلما اتسعت رقعة التداخل بين الاقتصاد والسياسة والأمن والإعلام، تضاءلت القدرة على قراءة النتائج وفق معايير الانتصار والهزيمة التقليدية، وبدلًا من ذلك، تتقدم معايير أكثر تركيبًا، تتعلق بمدى القدرة على الصمود، وإدارة التوازنات، ومنع الانزلاق نحو المواجهة الشاملة.
وفي هذا السياق، لا تبدو نهاية هذه الحرب مرتبطة بلحظة حاسمة بقدر ما ترتبط بمسار طويل من إعادة التموضع، وإعادة تعريف المصالح، وهكذا سوف تبقى المنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، يكون فيها الاستقرار النسبي أقرب إلى هدف قابل للإدارة منه إلى حالة نهائية ثابتة.