د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري
تأسستْ هيئةُ التراث في بلادنا بتعددية مهامها عام 2020م وهي بلا شك من التشكيلات الفاخرة لوزارة الثقافة الثرية التي دارت واستدارتْ على مد وحفز لكل العقول في بلادنا الأثيرة دعماً وتنويراً، فأصبحتْ هيئة التراث ظلا مرادفاً لحيازة القديم من الفعل والقول والفنون التي صنعها من عاشوا على ثرى بلادنا الغالية في عقود مضتْ بهدف إحيائها وتقديمها ضمن محمولاتٍ وفيرة حيث يحمل التراث حواس الوطن ونبض ماضيه فأقبلتْ عليه هيئة التراث بجدارة الاستبصارات الماضية من تراثنا فكانت غِزاراً.
ومن جماليات هيئة التراث أن دفعتْ بالتراث ليكون مركبا لقيادة الحاضر بإشراقات الماضي فكان التراث السعودي العريق ذاكرة أخرى تشهد لبلادنا بكل جميل فتباهي بالماضي إرثاً وبالحاضر منجزاً، فكان أن كسب الحراك الثقافي التراثي بين الحين والآخر حُزماً من الأضواء من خلال الحضور النشط لهيئة التراث التي سنتها وزارة الثقافة وسمو وزيرها المثقف، وقد اطلعنا على مسيرة هيئة التراث التي هدفت فوصلتْ لدعم جهود تنمية التراث الوطني وحمايته من الاندثار، والتشجيع على إبراز وتطوير المحتوى الثقافي الموروث؛ وخطَتْ الهيئة خطوات محمودة اتكأتْ على محددات تراثية للناس بها شغف ولهم فيها مآثر ومنابر وحكايات، ولمَّا أنّ منهج الهيئة كما ظهر من نشاطاتها التي يتوالى تنفيذها وبرامجها يتكئ على الشمولية واحتضان الموروث وتطويره حرفاً وصناعات يدوية شعبية متقنة لم تحاورها خطوط المصانع ولم يدرس أصحابها مفهوم الجودة وتطبيقاتها ولكنها ملأتْ الحال والمكان، وتأسيساً على سيرورة الأزمنة؛ ومع تعاقب السنين سيصبح ما نحسبه اليوم حديثا معدوداً من التراث الموروث أمام الأجيال القادمة! والاختلاف أنه سيكون جاهزاً توثيقاً وتقييماً ليتعاملوا معه بيقين، فلابد أن نستحدث نقاشاً موضوعياً ودراسات عميقة عن الموروث الثقافي الذي تتعامل معه هيئة التراث في مجمله! وأن تستند تلك الدراسات العميقة إلى تاريخ سليم عن البيئات الجغرافية والاجتماعية والثقافية التي أنجزتْ ذلك التراث في زمن ما، ومكان ما لكونه منجزا بشريا قابلا للصواب والخطأ، ثم إننا نحتاج إلى التمحيص وإزالة الشوائب فهناك رموز بشرية تتوهج! وكم تحتاج الأجيال الحاضرة إلى ضوئها لتكتمل بيننا وبين ذلك الموروث مدارج الصعود والأحلام النابضة بالمنجز الحضاري المثمر.
وأن ننظر إلى الموروث كونه منجزاً وصناعة تدل على حقبة أو زمن من تاريخنا لأنه يشرح تلك المرحلة بكل تفاصيلها؛ وننظر إليه كونه بناءً ثقافياً ينبغي تحليله واخضاعه لمجهر المقاربة والمقارنة لقياس صدق المكون التراثي واكتشاف ما نتج عنه من حضارة ممتدة وصلنا وهجها عبر الأزمنة! وعند ذاك ننسج الدعوة للاقتداء به والامتاح منه بديباجة فاخرة، ومع تبدل الواقع والمواقع والمعطيات فقد تختلف الرؤية عما نراه بالأمس، وقد يكون هناك تمسك بموروث فقط لأنه مما قدم زمنياً دون أن يتصل بنا وبواقعنا وبالتشكيل البشري الذي امتدتْ سلاسله وسلالاته عبر الأزمنة، ولابد من الوعي التام ألا نأخذ بكل ما يصلنا من الماضي لأنه تليد فقط، وقد يكون مما لزمنا ولزمناه وفاء لا اعترافاً بالنفيس وزمنه ومكانه، فنحن حتماً مثل غيرنا من الشعوب في تراثنا ما يكتُبُنا قبل أن نكتبَهُ، وفيه خلاف ذلك مما قد يشغلنا عن المستقبل بتجميعه ليرصد دون علم به ومعرفة بتاريخه المتصل بحضارتنا الحاضرة؛ ولعلنا نتساءل وقد تأسست هيئة التراث ككيان أصيل متين ما هي أنجح السبل للمحافظة على التراث الموروث حتى يزداد صموداً وقوة؟ والإجابة أنه كلما صهرنا الموروث وأخضعناه للدراسة العميقة والمناقشة الواعية ازددنا حباً له وقناعة به، وتلك الدراسات والحوارات والمناقشات حول الموروث الثقافي لا تتعارض مطلقاً مع وقار الماضي، واعتباره مكوناً أصيلاً في بناء الأجيال مما يحقق ثقتها العميقة في تاريخها، وفي هويتها الثقافية الخاصة؛ وموجز ذلك أن تقدير التراث والعناية به وهيبته لا يعني التنحي عن نقده ومناقشة مكوناته ورموزه وتأثيره وأثره فهو في النهاية نتاج بشري! كما أن تأصيل التراث في بنيته ومكوناته مطلبٌ حيوي ولكن أن لا يُشكل الماضي عبئاً على المستقبل كما ينبغي أن يكون التراث محفزاً نقياً دافعاً للمزيد من المغامرات والبرامج للوصول إلى الموروث بكل أنماطه، فالموروث الوطني الصادق النقي يظل ملهماً موجهاً للإبداع، ومنبعاً ثرّا لتوليد الطاقات في حاضر الأجيال ومستقبلهم!
ويحمدُ لهيئة التراث أنها حققتْ تجسير الفجوة بين النشء وتراث بلادهم فبرزتْ لهم أصالة الماضي العريق ورونق الحاضر.
وما زالت حزم من التراث الوطني ترقبُ سانحة تحملها إلى منصات المشاهدة وعند هيئة التراث قرار واقتدار لذلك بإذن الله.