نجلاء العتيبي
في حديث الفنان التشكيلي عزيز ضياء في البرنامج التلفزيوني الوثائقي «تكوين» المتخصص في السير الذاتية عن رحلته لا يتقدَّم السرد بوصفه استعادةً لذكرياتٍ منتهيةٍ؛ بل يظهر كوعيٍ يتشكَّل من جديد كلما نُطق به، تتجاور في كلماته التجربة والإحساس دون أن تطغى إحداهما على الأخرى، فيبقى المعنى متماسكًا، واضح الوجهة، عميق الأثر، ولا يبالغ في تصوير ذاته، ولا يختبئ خلف إنجازاته، ولكنه يُقدّم نفسه بوصفه إنسانًا تشكَّل عبر المواقف، وتأثَّر بما مرَّ به، واحتفظ بما يستحق البقاء.
يتضح في نبرته إدراكٌ مبكرٌ لقيمة التفاصيل، تلك التي قد تبدو صغيرةً في ظاهرها، فكانت في داخله مادة التكوين الأولى، ولم يكن الفن عنده منفصلًا عن حياته، بل امتدادًا لها يعكسها، ويعيد تفسيرها في آنٍ واحدٍ؛ لهذا تبدو لوحاته كأنها ليست محاولة للإبهار، ولكنه سعيٌ لفهمٍ أعمَقَ يتجاوز الشكل إلى الجوهر، ويتجاوز اللحظة إلى معناها المستمر.
فحين يستعيد لقاءه الأول بالملك فيصل -رحمه الله- يضعه في سياقٍ إنسانيٍّ خالصٍ؛ فتبدو تلك اللحظة في ذاكرته مكثَّفة بالحضور، لا تُروى كواقعةٍ من الماضي بقدر ما تُستعاد كمعنًى ثابتٍ في التجربة، يتحدَّث عنها بهدوءٍ يشي بعمق أثرها، وما بقي في داخله لم يكن رهبة اللقاء، ولكن صدق التقدير الذي وجده فيه، فكان اللقاء في جوهره مساحةً رأى فيها فنه يُفهم كما أراد له أن يُفهم؛ فلوحته التي تناولت قرار إلغاء الرق لم تكن إلا تعبيرًا خالصًا عن إحساسه، وفكرةٌ تشكَّلت في داخله ثم أخذت طريقها إلى اللون.
لم يتعامل مع الموضوع بوصفه حدثًا يُروى كقيمةٍ إنسانيةٍ تستحق أن تُرى، فصاغها برؤيته، ومنحها حضورًا يتجاوز زمنها، ويصل إلى جوهر المعنى الذي أراد له أن يبقى، وحين نظر الملك فيصل إليها أدرك ما تحمله، لا في تفاصيلها البصرية فحسبُ، بل في روحها التي تنبض بها. ذلك الإدراك انعكس في طريقته في التقدير، فلم يكن الإعجاب مجاملة، ولا التشجيع إجراءً بروتوكوليًّا، ولكن كان موقفًا صادقًا يمنح العمل قيمته، ويمنح صاحبه ثقةً مستحقةً.
يصفُ عزيز ضياء تلك اللحظة وكأنها إعادة تثبيت لما كان يؤمن به، وتأكيدٌ أن الفن القائم على المعنى يجدُ مَن يُقدّره حتى في أعلى مواقع القرار، فلم يشعر أنه يُقيَّم، بل شعر أنه يُفهم، وهذا الفارق كان كافيًا ليترك أثرًا لا يزول.
فتجلَّت دماثة خُلُق الملك فيصل في بساطته، وفي حضوره الذي لا يحتاج إلى تكلُّف ليُشعر من أمامه بالاطمئنان، وفي احترامه الذي لم يكن مشروطًا بمكانةٍ، فكان نابعًا من قناعة، ولم يكن اللقاء مهيبًا بقدر ما كان صادقًا، ولم يكن رسميًّا بقدر ما كان إنسانيًّا، هذه المعادلة النادرة جعلت الأثر أعمق؛ لأن التقدير حين يأتي خاليًا من التصنُّع يترسَّخ في الداخل دون مقاومةٍ.
لم يغادر عزيز ضياء تلك اللحظة كما دخلها، ولكن خرج وهو يحمل معيارًا جديدًا يرى به فنَّه، لم يعد السؤال عنده كيف يُنجز العمل، بل لماذا يُنجز، ولمن يتجه معناه؛ فأصبح أكثر التزامًا بما يشعر به، وأقل التفاتًا لما يُطلب منه شكليًّا، فكان ذلك التحوُّل هادئًا حاسمًا أعاد ترتيب أولوياته دون إعلانٍ.
وفي استعادته للموقف لا يبحث عن إحياء ذكرى، بل إبقاء أثر حي في وعيه، تلك اللحظة ما زالت تعمل داخله تُوجّهه دون أن تفرض عليه، وتُذكّره دون أن تُقيّده، وهذا ما يمنح حديثه صدقه؛ لأنه لا ينقل تجربةً منتهيةً، ولكن يكشف عن امتدادها المستمر في رؤيته، وفي كل عملٍ يقدّمه، وفي كل معنًى يختار أن يمنحه شكلًا يُرى.
ضوء
«الجمال في الأشياء موجود في العقل الذي يتأمَّلها». - ديفيد هيوم