د. ناهد باشطح
فاصلة:
«جسدك يسمع كل ما يقوله عقلك»
-لويزا هاي-
* * *
أجمل ما تمنحك إياه الغربة أنها تعطيك مساحة للاختلاء بنفسك وسماع صوت تجاهلته طويلاً.. جسدك الذي يصرخ لكننا غالبا لا نصغي!
في مانشستر الرحلة لم تكن للمكان فقط بل لاكتشاف إجابات كثير من الأسئلة حول الآلام الجسدية.
- من الألم إلى الفهم
كنت قد قرأت عن التشافي الذاتي وارتباط كل عضو بنوعية مرض محدد منذ أن أهدتني الصديقة» د. هناء المطلق «كتاب «أشف ذاتك» للمؤلفة «لويزا هاي «عام 2000، بعد ذلك ومع الآلام المتنقلة في جسدي والتي لم يستطع الطب التقليدي معالجتها بدأت أبحث ليس عن المسكّن بل عن المعنى.
لقد رتب الله لي الطريق فدرست «الكوتشنق» ثم تعرفت على مدارس مختلفة لربط أعضاء الجسد بنوع المشاعر ونوع الألم مثل «الميتا هيلث» و»العلاج الشعوري، PEAT».
من هنا تغيرت زاويتي بالكامل فالألم لم يعد عدواً بل رسالة ومع هذا التحول تعافى جسدي حين استمعت إليه.
- حكمة حديثة بلغة قديمة
قادني هذا الفهم الى تراث العالم «ابن سينا» في فلسفة المرض والتشافي الذاتي، لقد كان يرى المرض نتيجة لاختلال التوازن الداخلي ووجدت في كتابه «القانون في الطب» معارف طبية تتشابه مع مبادئ الطب الهندي القديم «الايورفيدا».
لم يكن مصادفة أن ألتحق بدورة تدريبية عن اليوغا والايورفيدا فلطالما آمنت باستخدامات الطب البديل، لكن ما شدني هو حديث المدربة «شدن نصار» مؤسسة «شدانا يوغا» عن تهدئة الجهاز العصبي..
لعلها المرة الأولى التي انتبه فيها لدورنا في تهدئة الجهاز العصبي وليس مواجهة ومعالجة الألم.
وكانت الرحلة مع «شدانا يوغا» طريقاً للوعي وإدراك أن الحياة بكل أحداثها تنطوي بالتسليم لله ، وأن أجسادنا منهكة بسبب ما نختزنه من مشاعر مختلفة تجاه أحداث حياتنا والمواقف التي نمر بها.
ولكن ما الذي يمنعنا من الوصول للتعافي والهدوء؟
وما معنى تهدئة الجهاز العصبي هذا الجهار الحيوي المعقد الذي لا يفهم تفاصيله وأهميته إلا الباحثون والدارسون له؟
- تهدئة لا مقاومة
لفت نظري اهتمام المدربة بالتعامل اللطيف مع أجسادنا وعندما قالت احضنوا أجسادكم تذكرت الآية الكريمة {واضمم إليك جناحك من الرهب}.. إذ أمر الله موسى بأن يحضن نفسه بضم يده إلى صدره ليذهب عنه الخوف. كنت في كل تمارين اليوغا التي مارسناها مع المدربة انتبه إلى أننا نمارس حركات شبيهة من ركوع وسجود لكننا نمارسها بسرعة دون هدوء وتنفس بما يحقق السكون.
هذه الحركات تنشط العصب الحائر وتخفض نشاط التوتر وحينها تهدأ الآلام الجسدية، كم من الآلام سببها شد مزمن في الفك او الرقبة أو غيرها من أعضاء الجسد.
علمتني اليوغا العيش ببطء وهو ما فقدناه في حياتنا التي نمارس الركض فيها لإنجاز مهامنا اليومية، وهنا تغيرت نيتي الصباحية من الإنجاز إلى الراحة.
كنت أعيد برمجة الإحساس بالألم... اتحرك ببطء... أشعر بالأمان فيقول الدماغ هذا الوضع آمن فيختفي الألم.
- الايورفيدا عندما تتجاوز السطح
مع التعمق في «الايورفيدا» عدت إلى بساطة العناية بالجسد، ووجدتها تتفق مع فلسفة «ابن سينا» في أن المرض اختلال وعدم توازن ويمكن للغذاء والزيوت والأعشاب إصلاحه وفق معايير محددة ومدروسة.
طقوس يومية صغيرة لكنها عميقة الأثر... من كشط اللسان صباحا والمضمضة بزيت السمسم وتدليك الأقدام قبل النوم بالزيت وكثير من العادات التي تجعلك تعتني بجسمك وتستعيد علاقتك المفقودة معه.
تركيز «الايروفيدا» على عملية الهضم يتفق مع إيماننا بأن المعدة بيت الداء، وأن معاناتي مع السعال والبلغم المزمن هو بسبب تركيزي على أطعمة محددة، بينما يبدأ التعافي من اختيار أنواع مناسبة لجسمي من الأطعمة والأعشاب للتخلص من السموم والالتهابات المزمنة.
لقد أدركت أن الشفاء يبدأ حينما يستعيد الإنسان علاقته بجسده.
أن نصغي بدلاً من أن نقاوم..
أن نفهم بدلاً من أن نهرب..
فالشفاء لا يبدأ إلا حين نواجه الألم بوعي.