د. خالد بن سالم الحربي
بعد الإعلان عن تعيين رئيس جديد لإحدى الشركات الكبرى، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة من التهاني والمشاعر التي تعكس التقدير المهني وروح الفريق الواحد. لكن الذي أثار الاستغراب، بل والامتعاض، هو ذلك النمط المتكرر من التهاني التي يرفقها البعض بصورة تجمعهم بالرئيس الجديد في مناسبة سابقة. وكأن التهنئة وحدها لا تكفي، بل لا بد من وثيقة مصورة تثبت أن للمهنئ علاقة ما بهذا المسؤول.
هذا الأمر ليس جديداً، إلا أنه يتفاقم مع سهولة النشر الرقمي. وهو باعتقادي سلوك يعبر عن حالة من الفراغ المهني لدى البعض. لسان حال ذلك المهنئ يقول: انظر إلي.. أنا أعرفه، أنا قريب منه، أنا من دائرته.
كنت أتساءل عن الأسباب التي تجعل شخصا قادرا على كتابة تهنئة، يرفق صورة قديمة ليست جزءاً من الحدث الجديد؟.
يبدو أن الأمر استغلال لمناسبة مهنية لتمرير رسائل ضمنية، فالبعض يعيش في وهم امتلاك صفات الشخص الناجح أو المسؤول، واختصار مسافة الجهد والعمل التي تفصل بينه وبين هذا المنصب الجديد، من خلال الإشارة إلى أنه على معرفة بصاحبه، وهذه لا شك فيها محاولة يائسة لاكتساب بعض الهيبة أو النجاح بالتبعية.
وقد يكون الدافع هو البحث عن قيمة ذاتية، ففي بيئة العمل يلجأ البعض إلى هذا السلوك كوسيلة لتعزيز مكانته، فيصبح الهدف من المنشور هنا إعلان الذات على حساب الآخر أكثر من كونه مجرد تهنئة للرئيس الجديد.
وهناك أيضاً الإعجاب المفرط بالمناصب، فلا يزال البعض للأسف ينظر إلى المسؤول أو الرئيس ككائن أسطوري، وينسى أنه إنسان، وموظف مثله، لكن الظروف مكنته من الوصول إلى موقع قيادي. وهذا التقديس يجعل البعض يعتقد أن مجرد الاقتراب من صاحب المنصب إنجاز يستحق التوثيق والمشاركة.
وهناك أيضاً من يجعل من هذا المنشور رسالة غير مباشرة إلى رؤسائه: «انظروا، أنا على صلة بمسؤولين كبار»، أو إلى زملائه: «أنا مختلف عنكم، أنا من هذه الدائرة»، وهذه محاولة لخلق نوع من النفوذ الوهمي.
وهنا تأتي الرسالة الأولى التي أود توجيهها إلى صاحب هذا السلوك. صورتك مع الرئيس الجديد أو غيره لا تضيف إلى رصيدك المهني شيئاً، فالقيمة الحقيقية التي تمتلكها في سوق العمل هي أنت، بقدراتك ومهاراتك وخبراتك. الناجحون الكبار يقدرون الناس بكفاءاتهم، لا بدرجة قربهم منهم.
أصقل مهاراتك بدلاً من قضاء الوقت في البحث عن ألبوم صور قديم لتوثيق لحظة عابرة مع مسؤول، استثمر هذا الوقت في تطوير نفسك. اقرأ، تعلم مهارة جديدة، أنجز عملك بإتقان، شارك بأفكار مبتكرة. هذه هي الأشياء التي ستجعل الناس يتحدثون عنك يوماً ما.
أما رسالتي الثانية فموجهة لك أيها الرئيس الجديد ولأي مدير في موقع قيادي. لا تنخدع بالضجة، وانتبه من هؤلاء الذين يحاولون استغلال معرفتهم بك أو صورهم معك. قيّم الجوهر لا المظهر، اجعل الثناء والتقدير علناً لمن يستحقونه بناءً على إنجازاتهم الحقيقية، كن قدوة، تواضع وتعامل مع الجميع باحترام، وضع حدود مهنية واضحة. لا تشجع من يحاولون التقرب بطرق غير مهنية، ووجه طاقاتهم نحو العمل والإنتاج.
ابحث عن الصامتين، وتذكر أن أكثر الموظفين كفاءة هم غالباً أولئك الذين ينشغلون بالعمل عن التقاط الصور معك في المناسبات. ابحث عنهم، فهم من سيبني نجاحك الحقيقي كقائد.
التهنئة شعور نبيل، وتعبير عن الروح الإيجابية في بيئة العمل. لكن أن تتحول التهنئة إلى مسرحية للذات، فهذا ما يجب أن ننتهي منه، لنرتقي بعقولنا وتصرفاتنا، ونجعل من منصاتنا فضاءً للنقاش الجاد، وتبادل الخبرات، والتهاني الصادقة الخالية من الشوائب.