د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
تُعد الأوقاف أحد أهم الموارد التنموية في المملكة، وأحد أعمدة العمل الخيري والاجتماعي عبر التاريخ. غير أن جزءًا من هذه الأوقاف يعيش اليوم حالة من الجمود والتعطّل؛ بعضها بسبب وفاة نظّارها، وبعضها نتيجة النزاعات، أو طول الإجراءات، أو ضعف الإدارة، أو غياب الحوكمة، أو الخوف من المساءلة، أو تمسّك بعض النظار بأساليب تقليدية لا تتناسب مع طبيعة الاستثمار الحديث. وهكذا تتحول بعض الأوقاف من أدوات فاعلة في خدمة المجتمع إلى أصول جامدة فقدت أثرها ورسالتها.
هذا التعطيل لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل يوقف سلسلة طويلة من المنافع التي أُنشئت الأوقاف لأجلها: رعاية المحتاجين، دعم التعليم، خدمة المساجد، تمويل المبادرات المجتمعية، وتنمية المناطق. وفي وقت تتوسع فيه التنمية في المملكة، يصبح من غير المقبول أن تبقى أوقاف ذات قيمة عالية معطلة لسنوات طويلة دون استثمار أو تطوير. وقد توجد أوقاف تقع في مواقع استراتيجية داخل المدن الكبرى، لكنها بقيت أراضي خام أو مباني قديمة مغلقة، رغم أن تطويرها كان يمكن أن يوفر فرص عمل، أو يمول برامج تعليمية وصحية، أو يدعم الأسر المحتاجة، أو يسهم في تنمية الأحياء والمناطق الأقل حظًا. كما أن هناك أوقافًا صغيرة ومتوسطة لا تزال محدودة العائد بسبب سوء الإدارة أو غياب التطوير، رغم أن إعادة هيكلتها أو دمجها أو استثمارها بصورة احترافية قد يحولها إلى موارد ذات أثر مستدام.
وتقع على الجهات المختصة مسؤولية مباشرة في معالجة هذا الملف، من خلال تطوير أنظمة الحوكمة، وتسريع إجراءات تعيين النظار، ومعالجة النزاعات التي تعطل الوقف، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة للأوقاف المتوقفة، وتفعيل أدوات رقابية تمنع تعطّل الوقف مستقبلًا. فالوقف ليس مالًا شخصيًا يجوز تعطيله أو تجميده وفق الرغبات الفردية، بل مال مخصص لمصلحة عامة، وتعطيله يحرم المستفيدين من حقهم ويؤخر أثره التنموي. كما أن من الضروري إيجاد مسارات أكثر مرونة لمعالجة الأوقاف الصغيرة والمتوسطة، وتقديم نماذج تشغيل واستثمار واضحة تساعد النظار على تجاوز التردد والخوف من المخاطر أو المساءلة. فكثير من الأوقاف لا تتعطل بسبب غياب الرغبة في تفعيلها، بل بسبب غياب الخبرة، أو ضعف القدرة على اتخاذ القرار، أو عدم وجود جهة تقدم الدعم الفني والقانوني المناسب.
ومن أبرز الخطوات العملية التي يمكن أن تسهم في معالجة هذا الملف:
- إنشاء منصة وطنية موحدة لحصر الأوقاف المعطلة، وربطها بالجهات القضائية والتنظيمية والاستثمارية، بحيث تتوافر بيانات دقيقة عن موقع الوقف، وحالته النظامية، وطبيعة تعطله، وفرص تطويره.
- تشكيل فرق عمل مشتركة تضم ممثلين من الهيئة العامة للأوقاف ووزارة العدل ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد والجهات البلدية والاستثمارية؛ لمعالجة الأوقاف المتعثرة حالة بحالة، بدل بقائها سنوات طويلة بين الإجراءات والخلافات.
- استحداث مسار قضائي أو شبه قضائي سريع للنظر في النزاعات الوقفية، لأن بعض الأوقاف تتعطل لسنوات بسبب تأخر الفصل في تعيين النظار أو النزاعات بين الورثة أو الخلافات على إدارة الوقف.
- إطلاق برامج تدريب وتأهيل للنظار؛ لأن جزءًا من المشكلة لا يعود إلى سوء النية، بل إلى ضعف الخبرة في الإدارة والاستثمار والحوكمة وإعداد التقارير المالية.
المؤسسات الدعوية.. من المتابعة إلى المبادرة، ولا يقتصر الأمر على الجهات الرسمية وحدها، بل تمتد المسؤولية إلى المؤسسات الدعوية الحكومية والأهلية، التي تمتلك القرب من المجتمع وتعرف احتياجاته. ومن واجبها الشرعي والوطني أن تنتقل من دور المتابعة إلى دور المبادرة الفعلية، عبر البحث عن الأوقاف المتوقفة، وتحديد أسباب تعطّلها، وتوجيه أهل الخير نحو إحيائها واستثمارها. غير أن معالجة الأوقاف المتعثرة لا يمكن أن تعتمد على الجهد الدعوي وحده، بل تحتاج إلى شراكة واسعة بين المختصين في الشريعة، والقانون، والاستثمار، والهندسة، والتقييم العقاري، والإدارة المالية. فكثير من الأوقاف لا تتعطل بسبب ضعف النية أو قلة الرغبة، وإنما بسبب غياب الخبرة الفنية والإدارية اللازمة لإعادة تشغيلها واستثمارها.
ومن المهم أيضًا تشجيع الشراكات بين الأوقاف والقطاع الخاص، بحيث تتولى شركات متخصصة تطوير بعض الأصول الوقفية مقابل نسب عادلة أو عقود تشغيل واضحة، خاصة في الأوقاف العقارية ذات المواقع المميزة. كما يمكن إنشاء صناديق أو محافظ وقفية مخصصة لدعم الأوقاف الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك القدرة على التطوير الذاتي، لأن كثيرًا من هذه الأوقاف يظل ضعيف العائد لعدم توفر السيولة اللازمة لإعادة تأهيله أو استثماره. ومن بين أهم الأدوار التي ينبغي أن تتبناها الجامعات والمؤسسات المتخصصة، القيام بدراسات ميدانية تُقسّم على مناطق المملكة، لرصد الأوقاف المعطّلة، وتحديد مواقعها، وأسباب توقفها، وفرص تطويرها. فغياب البيانات الدقيقة يجعل هذا الملف ضبابيًا، بينما يمكن للدراسات العلمية أن تكشف حجم المشكلة، وتقدم حلولًا عملية، وتفتح الباب أمام مبادرات نوعية لإحياء هذه الأوقاف.
إن تبني هذه الدراسات ليس ترفًا معرفيًا، بل خطوة أساسية لتمكين الجهات المختصة من اتخاذ قرارات مبنية على واقع موثق، ولحث أهل الخير على توجيه عطائهم نحو الأوقاف الأكثر حاجة إلى الإحياء، بدلًا من بقاء كثير من الأصول معطلة دون رؤية واضحة أو خطة عملية. كما أن نشر تقارير دورية توضح ما تم إحياؤه من الأوقاف، وما لا يزال متعثرًا، من شأنه أن يعزز الشفافية، ويصنع ضغطًا إيجابيًا، ويدفع المجتمع والجهات المختصة إلى متابعة الملف بجدية أكبر.
إن تفعيل الأوقاف المعطّلة لا ينعكس فقط على العمل الخيري، بل يفتح أبوابًا واسعة للتنمية الاقتصادية، من خلال استثمار الأراضي الوقفية، وتطوير المباني المتوقفة، ودعم المشاريع الصغيرة، وتمويل المبادرات التعليمية والصحية، وتحريك عجلة التنمية في المناطق الأقل حظًا. فالأوقاف ليست مجرد أصول عقارية، بل أدوات تنموية قادرة على إحداث أثر واسع ومستدام.
إن معالجة ملف الأوقاف المعطّلة ليست مهمة إدارية فحسب، بل مسؤولية وطنية مشتركة بين الجهات الرسمية، والمؤسسات الدعوية، والجامعات، والخبراء، والمجتمع. فهذه الأوقاف تمثل ثروة كبيرة، بعضها نائم منذ عقود، وبعضها ينتظر من يمد إليه يد التفعيل.
غير أن الانتقال من الحديث إلى الفعل يتطلب مبادرات جريئة، ودراسات ميدانية دقيقة، ورؤية واضحة تعيد لهذه الأوقاف دورها التاريخي في خدمة الناس وتنمية المناطق. وحين تتحرك الجهات المختصة بفاعلية، وتشارك الجامعات بخبرتها البحثية، ويتعاون المختصون مع المؤسسات الدعوية، ويتجاوب أهل الخير مع هذه الجهود، فإن الأوقاف ستتحول من ثروة معطّلة إلى قوة تنموية مستدامة، تنسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في رفع كفاءة الأصول، وتعزيز الاستدامة المالية، وتوسيع أثر القطاع غير الربحي.