د. سطام بن عبدالله آل سعد
كيف يمكن لاتحاد كرة أن يقود منتخبًا إلى الاستقرار، وهو يفتتح قراراته بالعشوائية والفوضى؟ وكيف يمكن أن يُبنى مشروع وطني، بينما تُهمل أبسط قواعد التنسيق مع الأندية؟
ما حدث في التعاقد مع دونيس كان لحظة كاشفة لخلل إداري واضح؛ فقد أعلن رئيس نادي الخليج أحمد خريدة أن القرار جاء دون تنسيق مسبق، وأن النادي فوجئ به في توقيت حرج، فوجد نفسه أمام فراغ فني اضطره إلى البحث عن بديل خلال 48 ساعة، مع تحمّل تبعات مالية لم يكن طرفًا في ترتيبها منذ البداية.
عندما يغيب التنظيم، يتحول كل قرار إلى أزمة. فالتعاقد مع مدرب من نادٍ محلي دون تنسيق مسبق يضرب الثقة داخل المنظومة، ويجعل العلاقة بين الاتحاد والأندية عرضة للتوتر. النادي شريك أساسي في بناء المنتخب، واحترام العقود، ووضوح الإجراءات، ووجود آلية تعويض مسبقة، كلها من أسس العمل الاحترافي، وحين يتم تجاهل هذه القواعد، يغدو أي نادٍ مهددًا بأن يدفع ثمن قرار لم يكن طرفًا في ترتيبه.
الأخطر أن نادي الخليج ليس في وضع يسمح بهذه الضربة المفاجئة؛ فالفريق يحتل المركز الحادي عشر في الدوري، وهي منطقة حساسة لا تحتمل أي اهتزاز فني أو نفسي. فقدان المدرب في هذا التوقيت يهدد نتائج الفريق مباشرة، لأن المدرب منظومة عمل تشمل طريقة اللعب، وقراءة المنافسين، والعلاقة اليومية مع اللاعبين، وحفظ التوازن داخل المجموعة.
ثم يأتي السؤال الأهم: على أي أساس فني وإداري اختير دونيس؟ فحين لا يحقق اليوناني دونيس أي انتصار في آخر 11 مباراة في الدوري، وتأتي الانتصارات الأخيرة تحت قيادة المدرب الوطني سعد الشهري، يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: ما المنطق الذي يجعل الاختيار يذهب إلى مدرب أجنبي متعثر، لم يكن يومًا خيارًا حاضرًا لقيادة منتخب بلاده، بدل منح الثقة لمدرب وطني يعرف اللاعب السعودي وبيئة المنتخب، وسبق أن أثبت قدرته على إدارة هذه المرحلة، وحقق كأس آسيا تحت 23 سنة عام 2022؟ هنا لا يبدو القرار دعمًا للمنتخب بقدر ما يبدو فرصة مُنحت للمدرب نفسه.
كان الأجدر أن تُمنح هذه المرحلة لسعد الشهري، فهي بداية إعداد حقيقي لما بعد كأس العالم وصولًا إلى كأس آسيا 2027. فالمدرب الوطني، حين يُمنح الثقة في لحظة كبيرة، يكتسب شخصية أقوى، وخبرة أعمق، وشرعية أكبر أمام اللاعبين والجمهور. أما الذهاب إلى خيار أجنبي مرتبك بلا مسار واضح، فيعيدنا إلى أصل المشكلة: حين تضطرب الإدارة، تضطرب اختياراتها.
المسألة أعمق من اسم مدرب؛ إنها طريقة تفكير تعيد إنتاج المشهد نفسه في كل مرة. أربعة مدربين في أربع سنوات، وكل خطوة تُقدَّم على أنها «خطة»، ثم يتضح لاحقًا أنها حل مؤقت.
في كرة القدم، الاستقرار شرط أساسي لبناء الهوية، لأن كل مدرب يأتي بفلسفة مختلفة، ومنظومة تدريب خاصة، وقراءة مغايرة للاعبين. لذلك فإن التغيير المتكرر يمسح ما بُني، ويعيد المنتخب إلى نقطة الصفر؛ بلا انسجام واضح، ولا ذاكرة تكتيكية مستقرة، ولا ثبات في الاختيارات.
الخطير أن لغة «المرحلة الانتقالية» أصبحت غطاءً دائمًا لتبرير الارتباك، مع أن المرحلة الانتقالية الحقيقية تُدار بخارطة طريق واضحة، وفلسفة لعب مستقرة، ومعايير اختيار ثابتة، ومؤشرات أداء تُقاس وتُراجع. أما ما يحدث اليوم فيكشف قرارات متسارعة، وتغييرات متلاحقة، وتبريرات جاهزة، ومنتخبًا يعيش حالة عدم يقين.
القضية اليوم مساءلة ضرورية؛ فعندما تتكرر الأخطاء عبر سنوات، فهذا يعني أن المشكلة بنيوية، وليست مرتبطة بقرار واحد أو اسم مدرب. لذلك لا يكفي تغيير الجهاز الفني أو إعلان نوايا جديدة، بل المطلوب إعادة بناء طريقة اتخاذ القرار من جذورها، ووضع إطار حوكمة واضح ينظم العلاقة مع الأندية، ويضمن الاستقرار الفني، ويحوّل «الخطة» من شعار يُقال إلى التزام يُقاس ويُحاسَب عليه.
ما يحدث الآن مهزلة كروية مكتملة الأركان؛ فالمنتخب يستحق مشروعًا يليق باسمه وتاريخه، والأندية تستحق احترامًا يليق بدورها في صناعة اللاعب والمدرب والمنافسة، والمدرب الوطني يستحق فرصة عادلة متى امتلك الكفاءة والخبرة والمعرفة ببيئة المنتخب. كرة القدم لا تُبنى بالصدفة، ولا تُدار بالارتجال؛ فإما أن تكون هناك رؤية واضحة تُحترم وتُحاسَب، أو سنبقى نعيد القصة نفسها، ثم نستغرب النهاية نفسها.