إبراهيم عواض الشمراني
عندما انبلجت أنوار ذاك الصباح القروي في جنوب السعودية قبل 47 عاماً، بعد ليلة باردة حالكة السواد طويلة، كان كل شيءٍ ساكناً تماماً في البيت ذي الغرف الحجريّة الثلاث، وهي وأبناؤها لازالوا يغطون في نوم عميق قبل أن تشرق الشمس!
الطرق القوي المتلاحق على باب البيت الحديدي الكبير المطل على الحوش الصغير للبيت مهدّ للفجيعة!
وأصبح يوماً طويلاً حزيناً على الجميع، لكنها بالطبع كانت أكثرهم حزناً وهي تفتقد زوجها الشاب في حادث مروري في مدينة الرياض حيث يعمل، فقد كان سندها ووالد أبنائها الصغار وكانت الأحلام كبيرة، لكنه رحل ليتركها أرملةً في الأربعين من العمر تواجه وحدها أعاصير يتمهم وتكافح ليكبروا دون أن يشعروا بنقص، وتحارب وتحمي لتحافظ على ممتلكاتهم من (البلاد) و(المحارم) قبل أن تلتهمها القلوب الجائعة لدنيا تلمع كالسراب.
تلحفت مزيداً من الخمائل لكي لا يلحقها إثم الخروج من بيت العزاء في شهور الحداد وهي تذهب إلى (الوادي) يومياً، تحرث زرعاً هنا وتسقي آخر هناك وتحصد بعد حين مستعينة بأهلها وجيرانها، ولم تكن الخمائل الكثيفة الجديدة على رأسها وكتفيها وحدها هي من تثقل سيرها، بل معها هذا الجنين في بطنها الذي غادر والده وهي في شهر حملها الثالث به.
مرت الشهور الأولى ثقيلة كالحزن الذي تحمله في صدرها وتحاول إخفاءه عن أبنائها لتظل قويةً كما كانت دوماً، وهي تفتخر أن والدها كان يقول عن ابنته الوحيدة ؛ أنها (تسوى مية رجال).
وجعلت نصب عينيها غير الحفاظ على حقوق أبنائها، دراستهم وصلاتهم وأخلاقهم.
لا تسمح بأي تأخر عن المدرسة ولا بفوات موعد صلاة ولا بأذى يلحق جيرانها وجاراتها منهم، ولولا الله ثم هؤلاء الجارات والجيران لغدت الحياة أكثر صعوبة.
يسلين عليها ويقضين حاجاتها، ومع أزواجهن يذهب ابناؤها - الذي لم يتجاوز عمر أكبرهم الرابعة عشرة - ليشتروا لوازم البيت في نهاية كل أسبوع من (السوق) البعيد في صندوق سيارة جارهم، أما القرية فلم يكن فيها غير دكان صغير!
وكانت حياةً بسيطة جداً حتى أن الكهرباء تعمل فقط من المغرب إلى بعد العشاء بقليل على ماطور تم شراؤه من قبل الأهالي.
عدت أشهر الحمل لتنجب آخر أبنائها ومعه أمل وحلم، ليلتحق بمركب اليتم مع أختيه وإخوانه الأربعة الذي يدرس أكبرهم آخر سنوات المرحلة الثانوية العسكرية في (الخرج) بعيداً عنها، لكنها كانت تصبر وتؤمل الآمال وترفع كفيها بالدعوات أن يعوّضها الله عن زوجها في هؤلاء الأبناء. وقد استجاب الله دعواتها.
تخرّج الابن الأكبر ليلتحق بالكلية الحربية ويتخرج ملازما حربيا بعد ثلاث سنوات ويمضي في رحلة ترقياته العسكرية.
ولحق به إخوانه بعد سنوات هذا في كلية الهندسة وذاك في كلية الطب والثالث في الحاسب الآلي.
كان الله يعطيها ويحميها ويعوضها بهؤلاء الأبناء الناجحين.
لكن الجميع عرف ورأي مع أحداث الزمان أن طريق القمة ليس معبدا دوما بل ربما وجدت العقبات.
مرت سنوات صعبة مليئة بالهم حتى استطاعت النجاح في الحفاظ على ما ورثه أبناؤها من أبيهم، مرت تشتكي لأخيها وأخرى لقرابة وثالثة يستعين أبناؤها بالحكماء من القبيلة، وكان لكل شيء ثمناً من صحتها وكفاحها ونجحت في الأخير.
عشرون عاماً مرت حتى أينعت الثمار وتزوج الأبناء والبنات وصار ثلاثة من أبنائها من كبار الضباط العسكريين واثنين من الناجحين في أعمالهم، وبنتاها تخرجتا لتحصل أحداهما على الماجستير وتحفظ القرآن وتنجح الأخرى في أن تكون معلمة متميزة حافظة لكتاب الله.
وكما امتلأت السنوات بالأحداث والذكريات الصعبة صار يمتلئ البيت كل إجازة صيفية بأبنائها، وبأحفادها الذين كبروا وصار منهم الطيار والمعلم والمهندس والمحامي يحمل كل واحد وواحدة منهم قصة نجاح بدأت كتابتها بعزمها على النهوض في صبح ذلك اليوم البارد الذي جاء أخوها وخالة أبنائها لينقلوا لها الخبر الحزين.
شعرت بطلة قصتنا صاحبة الراية البيضاء بالرضا، وتوجهت وهي تصل الستين من عمرها بالشكر للكريم الذي كان يسمع دعواتها طوال تلك السنوات ويستجيب لها، وجعلت ما بقي من سنواتها الثمانين للعمل الصالح من صلاة وصيام وللذكر والقرآن، تحفظ سوره في مجمعات تحفيظ القرآن لتتم حفظ جزئي (عم) و(تبارك) وتتعلم مبادئ القراءة والكتابة وهي ترافق أبناءها الذين اعتنوا بها في كبرها.
كان صديقها الدائم ذلك الراديو الذي لا يتغير عن إذاعة القرآن الكريم، وإن جلست أمام التلفزيون فهي تطالب بقناة (الحرم).
لسانها دوما يلهج بالأذكار والاستغفار، تحث على العمل الطيب وتحب (السخي)و تؤكد على الصلاة، تستثمر الراتب التقاعدي الذي يصرف لها بعد موت زوجها، فتوزعه بين عاملتها المنزلية واحتياجاتها البسيطة والثلث تتصدق به كل شهر، وقد ترافق ابنها لتوزيعه على الفقراء والمساكين.
كريمةً في البذل للدرجة التي يظن من حولها أنها تملك مالاً كثيرا، رغم أنها توزع كل ما تملك، أما لابن محتاج أو لصديقة تزوجت ابنتها، أو تقطع بها (شرهة) من قريب أو قريبة.
ويتذكر كاتب هذه الأسطر أنه وهو يدرس المرحلة الجامعية لمّح لها باحتياجه لشيء بسيط من المال ولم تكن تملكه، ورغم أن حاجته بسيطة والأمر لا يحتمل الاهتمام الزائد ؛سارعت إلى قص اثنتين من (بناجر الذهب) التي في يدها ورمتها له كأنها ترمي له كسرة خبز يأكلها وهي تقول له: بعها وخذ ثمنها!
والذين عاشوا مع هذه المرأة القدوة صغاراً وكباراً يملكون قصصاً كثيرة يروونها عن كرمها وتلطفها معهم، مع أنها اشتهرت في تربيتها لأبنائها بالشدة وعدم السماح بالخطأ مهما كانت الأعذار.
قبل سبع سنوات من رحيلها وبعد وعكة صحية شديدة بدأ الضعف يتسرب لجسدها ولذاكرتها وتذبل شيئا فشيئا، إلا لسانها ظل يلهج بالذكر وآيات القرآن حتى أثناء نومها، ولا تتوقف عن رفع أجمل الدعوات لمن يزورها أو يكلمها بالهاتف الجوال.
وفي مساء عادي تماماً كأنها لا تريد أن تكلف على أحد شهقت ولفظت آخر أنفاسها بين أبنائها وهي تأكل وجبة العشاء الأخيرة.
رحلت (مسنية بنت حزام) وبقيت قصة كفاحها وصبرها ، وكثير من المعزين يدعون لها ويذكّرون أبناءها وبناتها بمعروفها معهم وماضيها المشرّف وما قدمت لهم ولنفسها من عمل سيشفع لها عند ربها، مثنين على صبرها ودينها وفروسيتها في الحفاظ على حقوقهم في صغرهم وتربيتها لهم حتى وصلوا أعلى المراتب الوظيفية.
لم تكن رسائل التعزية دعاءً فقط بل كانت إضاءات تنوه بالقدوة وحسن التربية وترفع لها الراية البيضاء.
رحم الله أمي، تلك المرأة النادرة في حكمتها وفراستها وقوة شخصيتها مع ما وهبها الله من عطف ومحبة لأبنائها وبناتها وأحفادها، وجمعها بأبي وجمعنا بهم في جنات النعيم.