عبدالرحمن الحضري
كانت عقارب الساعة تزحف ببطءٍ نحو المساء، والبيوت تدخل في حالة من الاستنفار الوجداني ترقبًا لموعد عرض مسلسل «إلى أبي وأمي مع التحية» (1980). لم يكن الأمر مجرد متابعة تلفزيونية، بل موعدًا مقدسًا ننتظر فيه انطلاق بيان الفرح لجيلٍ كامل. كانت نشرة أخبار التاسعة هي الحاجز الأخير بيننا وبين عالمنا المرتجى؛ نجلس بصمتٍ مهيب، نراقب المذيع وهو يقرأ أخبار العالم، وقلوبنا تدعو ألا تطول النشرة، فالحرب والسلم وأحداث الدنيا كانت في أعيننا تقصر وتطول حسب لهفتنا لظهور وجه أم سوزان.
وما إن تنتهي النشرة، حتى تبدأ الإعلانات التجارية التي كانت بمثابة صافرة الإنذار الأخيرة. كنا نردد عباراتها ونحن نتأهب، فمن يحضر الإعلانات يضمن ألا تفوته ثانية واحدة من الشارة؛ لذا حفظنا تلك المقاطع عن ظهر قلب حتى أصبحت جزءًا من طقوسنا، نبتهج بها لأنها تبشرنا بأن العبور إلى «برج النور» أصبح على مسافة لحظات.
وفجأة.. ينقطع صمت الترقب، وينفجر صوتنا الجماعي مع انطلاق الموسيقى: «نطير أسراب وطيور.. ونوصل برج النور». كنا نرددها بأعلى صوت، وكأننا في تظاهرة حب عفوية، نهز أركان المكان بصرخاتنا البريئة: «صو.. صو.. صو». في تلك اللحظة، تنتهي أخبار العالم الجادة، وتبدأ أخبار قلوبنا مع حياة الفهد، التي كانت تمسح بظهورها كل ملل الانتظار، وتأخذنا في رحلة اجتماعية لا تشبهها رحلة.
كنا أطفالاً لا ندرك من «برج النور» سوى أنه مكانٌ عالٍ وجميل، ولا نعرف من «دوران الأرض» سوى أنها لعبة نلعبها في الفناء، لكن صوت تلك الشارة كان يزرع فينا يقين الكفاح؛ وأن الوصول يحتاج إلى «خطوة بخطوة»، وأن النجاح فعلٌ جمْعيّ تحلق فيه الأسراب والطيور لتتكاتف نحو القمة. في تلك الجمعات، كانت حياة الفهد هي البوصلة التي لم تخطئ يومًا وجهة وجداننا، بعهدٍ من البراءة والقيم التي كانت تنسل من خلف الشاشة لتستقر في الصدور.
كبرنا، ودارت بنا الأرض، واكتشفنا أن الوصول إلى «برج النور» ليس سهلاً كما ظننا في طفولتنا، لكننا في كل عثرة، كنا نبحث عن ذلك «الحضن» الذي تمثله أم سوزان. آمنّا بها لأنها لم تكن تمثل علينا، بل كانت تعيش فينا؛ هي التي «دقت وتد الفن وثبتته» بصدقها، أضحكتنا في «خالتي قماشة» حتى ذرفت دموعنا، وأبكتنا في «الداية» حتى آلمت قلوبنا، لتتحول مع السنين من بطلة مسلسلات إلى مرجعية فنية وإنسانية، ووجهٌ نألفه كما نألف وجوه أمهاتنا وجداتنا.
رحلت «أم سوزان»، لكن الأسراب التي علمتها الطيران لا تزال تحلق، وبرج النور الذي شيدته بصدقها سيبقى يضيء عتمة غيابها. لقد وصلت هي أخيرًا إلى النور الأبدي، وتركتنا نردد خلفها: «أويله.. أويلاه» كلما قالت في «الشريب بزة»: «دقينا الوتد ثبتناه، والحظ لي خمد صحيناه».
رحلت حياة الفهد وبقي في آذاننا صدى الزمن الجميل، وذكرى الجمعات البريئة، وصورة تلك المرأة الشامخة التي علمتنا أن الطيور مهما طارت بعيدًا، لا بد أن تعود إلى أعشاشها وأصلها الطيب.
رحم الله «أم سوزان» وأسكنها فسيح جناته.