صبحي شبانة
شراء الوقت لم يعد مجرد عنوان عابر في السلوك التفاوضي الإيراني، بل بات جوهر الاستراتيجية التي تُدار من خلالها العلاقة المعقدة مع الولايات المتحدة الامريكية، في واحدة من أكثر ملفات السياسة الدولية تشابكًا وحساسية، فكلما اقتربت المفاوضات من لحظة يُظن أنها حاسمة، عادت لتتراجع خطوة إلى الوراء، وكأن الاقتراب ذاته هو سقف لا يُراد تجاوزه، في هذه المسافة الرمادية بين التقدم والتعثر، تمارس طهران لعبتها الأكثر براعة، إدارة الزمن لا بوصفه عامل ضغط، بل بوصفه موردًا استراتيجيًا قابلًا للاستثمار والتوظيف.
المشهد يتكرر بانتظام يكاد يكون مقصودًا، تصريحات إيجابية، تسريبات عن انفراج قريب، إشارات دبلوماسية محسوبة ترفع منسوب التفاؤل، ثم فجأة تتبدد الصورة على وقع أخبار عن خلافات جوهرية أو مشكلات وعراقيل، هذا التذبذب ليس عرضًا جانبيًا، بل جزء من سلوك تفاوضي محكم، حيث يتحول التفاؤل نفسه إلى أداة، والتعثر إلى ورقة، في لعبة تتجاوز مضمون الاتفاق إلى إدارة إيقاعه وتوقيته.
إيران، التي تدرك حدود قدرتها في المواجهة المباشرة مع قوة كبرى كالولايات المتحدة الامريكية، اختارت أن تنقل الصراع إلى عنصر مختلف، عنصر الزمن، فبدلًا من الرهان على الحسم السريع، تراهن على الاستنزاف البطيء، وعلى إعادة تشكيل الوقائع تدريجيًا، بحيث يصبح أي اتفاق مستقبلي انعكاسًا لما تراكم خلال فترة الانتظار، لا مجرد نتيجة لنقطة انطلاق ثابتة، الزمن هنا ليس حياديًا، بل منحاز لمن يعرف كيف يملأ فراغه بالإنجازات الصغيرة المتراكمة.
في هذا السياق، يصبح التعثر المتكرر في المفاوضات أقرب إلى - تعثر مُدار - لا إلى فشل حقيقي، فكل جولة غير مكتملة تمنح طهران فرصة إضافية لتعزيز موقعها، سواء عبر تطوير قدراتها في برنامجها النووي، أو عبر توسيع شبكات نفوذها الإقليمي، أو حتى عبر اختبار حدود الردع لدى خصومها، ومع كل تأجيل، تتغير المعادلة قليلًا، ولكن في اتجاه يخدم الاستراتيجية طويلة الأمد.
على الجانب الآخر، تبدو الولايات المتحدة الامريكية محكومة بحسابات أكثر تعقيدًا، فهي من جهة، لا ترغب في الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تجر إقليم منطقة الشرق الاوسط إلى فوضى أوسع، ومن جهة أخرى لا تستطيع تقديم تنازلات كبيرة قد تُفسَّر كضعف أو تراجع، هذا التوازن الدقيق بين الردع والاحتواء يخلق حالة من التردد البنيوي، تفتح بدورها نافذة واسعة أمام إيران للمناورة، فكلما زادت القيود على صانع القرار الأمريكي، اتسع هامش الحركة لدى المفاوض الايراني.
الأخبار المتضاربة التي تتوالى من حين لآخر ليست مجرد انعكاس لواقع تفاوضي متقلب، بل هي أيضًا جزء من إدارة مدروسة للرأي العام، داخليًا وخارجيًا، فالتفاؤل يُضخ حين تكون الحاجة إلى تهدئة الأسواق أو امتصاص الضغوط السياسية، بينما يُستدعى التعثر حين يكون المطلوب إعادة رفع سقف المطالب أو تحسين شروط التفاوض، وهكذا، تتحول المعلومة نفسها إلى أداة في الصراع، لا تقل أهمية عن أي ورقة سياسية أو عسكرية.
غير أن استراتيجية - شراء الوقت - لا تُدار في الفراغ، بل تنعكس بشكل مباشر على البيئة الإقليمية، التي تجد نفسها في حالة ترقب دائم، تتأرجح بين احتمالات الانفراج ومخاطر التصعيد، هذه الحالة من اللايقين تُثقل كاهل دول المنطقة، وتدفعها إلى إعادة حساباتها باستمرار، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو التحالفات، فحين يطول الانتظار دون أفق واضح، تصبح إدارة المخاطر هي العنوان الأبرز للسياسات الإقليمية.
ومن هنا، تبرز أهمية قراءة ما يجري في المفاوضات لا بوصفه حدثًا معزولًا، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة، فإيران عبر إتقانها للعبة استخدام الزمن كسلاح تسعى إلى الوصول إلى لحظة يصبح فيها أي اتفاق محتمل مجرد اعتراف بواقع قائم، لا تفاوضًا على واقع قابل للتغيير، وهذا ما يمنحها ميزة نسبية، حتى في ظل استمرار الضغوط والعقوبات.
لكن هذه الاستراتيجية، على ما فيها من دهاء وبراغماتية، ليست بلا كلفة أو مخاطر، فاللعب على عامل الوقت يفترض قدرة دائمة على التحكم في الإيقاع، وعلى منع الانزلاق إلى لحظات انفلات غير محسوبة، وفي منطقة شديدة الحساسية كمنطقة الشرق الأوسط، يكفي خطأ واحد في التقدير، أو حادث محدود يتجاوز حدوده، لتحويل مسار التفاوض من لعبة زمن إلى سباق مع الانفجار.
كما أن إطالة أمد التفاوض قد تخلق، ضغوطًا داخلية على صانع القرار الإيراني نفسه، فالتوقعات التي تُرفع ثم تُخفض، والآمال التي تُبنى ثم تُؤجل، قد تُحدث تآكلًا تدريجيًا في الثقة، سواء على المستوى الشعبي أو النخبوي، ومع مرور الوقت، قد يصبح الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية تحديًا لا يقل تعقيدًا عن إدارة التفاوض مع الولايات المتحدة.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن الولايات المتحدة، رغم ما يبدو من تردد، لا تزال تملك أدوات ضغط هائلة، اقتصادية وسياسية وعسكرية، غير أن السؤال ليس في حجم هذه الأدوات، بل في كيفية استخدامها وتوقيتها، فالإفراط في الضغط قد يدفع إلى التصعيد، بينما الإفراط في المرونة قد يُفسَّر كضعف، وبين هذين الحدين، تتشكل معادلة دقيقة تجعل من كل خطوة محسوبة بدقة، ولكنها في الوقت ذاته قابلة لإعادة التفسير من الطرف الآخر.
النتيجة أن المفاوضات لم تعد مجرد وسيلة للوصول إلى اتفاق، بل أصبحت بحد ذاتها ساحة للصراع، تُدار فيها التوازنات وتُختبر فيها الإرادات، وفي هذه الساحة، يبرز عامل الزمن كأحد أهم عناصر القوة، لا يقل شأنًا عن الاقتصاد أو شن الحرب مجددا أو الدبلوماسية، ومن ينجح في التحكم بهذا العامل، يملك القدرة على توجيه مسار الأحداث، حتى دون أن يحقق انتصارًا تقليديًا بالمعنى المعروف.
في ضوء ذلك، يبدو أن الرهان الإيراني على - شراء الوقت - ليس خيارًا اضطراريًا بقدر ما هو اختيار استراتيجي واعٍ، يستند إلى قراءة عميقة لطبيعة النظام الدولي، ولحدود القوة لدى الخصوم، غير أن هذا الرهان، مهما بلغ من الدقة، يظل محفوفًا باحتمالات الانزلاق، لأن الزمن الذي يُشترى اليوم، قد يتحول غدًا إلى عبء إذا ما تغيرت المعطيات أو انقلبت الموازين.
هنا تكمن المفارقة الكبرى، الزمن، الذي يُستخدم كأداة لتعزيز الموقف التفاوضي او العسكري، قد يصبح في لحظة معينة عامل ضغط مضاد، إذا ما فقدت القدرة على التحكم في مساره، ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمدى نجاح إيران في شراء الوقت، بل بقدرتها على استثماره دون أن تقع أسيرة له.
لا يمكن فهم ما يجري في المفاوضات الإيرانية الأمريكية من خلال متابعة بيانات التفاؤل أو أخبار التعثر وحدها، بل عبر قراءة أعمق لمنطق إدارة الزمن في الصراع، فبين كل تصريح إيجابي وآخر سلبي، تجري عملية هادئة ولكنها عميقة لإعادة رسم ملامح المرحلة المقبلة، ومن يدرك هذه الحقيقة، يدرك أن ما يبدو تكرارًا قد يكون في جوهره تراكمًا، وأن ما يُقدَّم بوصفه تعثرًا قد يكون في حقيقته تقدمًا من نوع مختلف.
وهكذا، تبقى استراتيجية -شراء الوقت- عنوانًا مكثفًا لمرحلة كاملة، لا تُقاس فيها النجاحات بسرعة الوصول إلى الاتفاق، بل بمدى القدرة على تشكيل شروطه قبل أن يُوقَّع، وفي عالم تتغير فيه الموازين ببطء ولكن بثبات، قد يكون الزمن هو السلاح الأكثر فاعلية، والأكثر خطورة في آن واحد.