د. رانيا القرعاوي
قيل عن الصحافة بأنها مهنة البحث عن الحقيقة، والصحفي هو الباحث الدؤوب عن الحقيقة، لكن في عصر المعلومات وعصر الإعلام الرقمي نواجه كميات هائلة من المعلومات وسيلًا من الروايات المتناقضة، التي تتدفق عبر المنصات بسرعة تفوق قدرة أي جهة على التحقق أو التوضيح. وهنا تحديدًا، لا تختفي الحقيقة، لتذوب وسط الضجيج.
خلال الفترة الماضية، أصبح من المألوف أن تتصدر معلومات غير مؤكدة المشهد قبل التحقق منها، لتأتي التصحيحات لاحقًا بعد أن تكون الرواية الأولى قد أدّت أثرها. لم يعد هذا استثناءً، بل نمط متكرر يعكس طبيعة البيئة الرقمية الحالية: معلومة تنتشر أولًا... وتُراجع لاحقًا.
ومن ذلك ما يتم تداوله بين الحين والآخر إذا كان الطبيب المصري صاحب نظام الطيبات قد قتل أم مات موتة طبيعية، وهي روايات تنتشر بسرعة لافتة باقتباس جزء أو كلمة من حديث يُعاد تفسيرها لاحقًا. مثل هذه النماذج لا تعكس حدثًا بعينه بقدر ما تكشف عن نمط متكرر، حيث تتحول الرواية غير المكتملة إلى «حقيقة مؤقتة» في وعي الجمهور.
في عصر الإعلام الرقمي لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ، بل أصبح جزءًا من دورة انتشار المعلومات. تشير تقارير Reuters Institute for the Study of Journalism إلى أن نسبة كبيرة من المستخدمين تشارك الأخبار دون قراءة كاملة، مدفوعة بالعناوين والانطباعات السريعة. وفي السياق ذاته، توضح دراسات IPSOS أن كثيرين يعتقدون أنهم قادرون على التمييز بين الصحيح والمضلل، بينما تكشف الاختبارات أن هذه الثقة غالبًا غير صحيحة.
بتنا نحيا في بيئة مثالية لانتشار المعلومات المغلوطة. فكلما زادت ثقة الفرد بقدرته على التحقق، قلّ حذره في المشاركة، وتحولت المنصات إلى مساحة لإعادة إنتاج الخطأ بدل تصحيحه.
وتوضح الدراسات أن المحتوى المضلل ينتشر أسرع من الحقيقة، وأن التصحيح غالبًا ما يأتي متأخرًا بعد أن تكون الرواية الأولى قد ترسخت. وفي بيئة رقمية تقوم على السرعة والانفعال، تميل الخوارزميات إلى تضخيم المحتوى المثير، لا الأكثر دقة.
كما يشير تقرير World Economic Forum إلى أن صعود «النظام الإعلامي البديل» المتمثل في منصات الفيديو القصير وصناع المحتوى، أعاد تشكيل طريقة استهلاك الأخبار، حيث لم يعد الجمهور يعتمد على مصدر واحد، بل على مزيج غير منظم من المصادر، تختلف في موثوقيتها ومعاييرها المهنية.
الأخطر أن هذه البيئة لا تربك الفهم فقط، بل تؤثر في الثقة. مع تكرار المعلومات غير الدقيقة، يبدأ الجمهور في التشكيك بكل شيء - حتى في المصادر الموثوقة. وهنا يخسر الإعلام معركته الأهم: المصداقية. لكن السؤال الأهم: كيف يمكن استعادة هذه الثقة؟ من خلال الدقة قبل السرعة. السبق لم يعد قيمة إذا كان على حساب الحقيقة، الشفافية حيث إن الاعتراف بالخطأ وتصحيحه بسرعة يعزز الثقة أكثر من تجاهله، إلى جانب التفسير لا الاكتفاء بالنقل: الجمهور لا يريد أن يعرف «ماذا حدث» فقط، بل ما الذي يعنيه ذلك، والعمل على بناء علاقة مستمرة مع الجمهور، تقوم على الوضوح والاتساق، لا الظهور الموسمي.
تشير تقارير Edelman Trust Barometer إلى أن المؤسسات التي تتبنى الشفافية والتواصل المستمر تحافظ على مستويات أعلى من الثقة، حتى في بيئات إعلامية معقدة.
على المؤسسات الإعلامية اليوم أن تدرك أن التحدي لم يعد في الوصول إلى الحقيقة، بل في حمايتها من الضياع. وأن هذا الكم من المعلومات بحاجة إلى من يُديرها، يوضحها، ويحميها ويحرص أن يجعل الحقيقة تسمع وسط هذا الضجيج.