غادة الوعلان
في زمن تتسارع فيه المعرفة وتتزايد فيه التحديات، لم يعد الاكتفاء بالتعليم التقليدي كافياً لصناعة المستقبل، فقد أصبح الاستثمار في العقول الموهوبة ضرورة إستراتيجية، تمامًا كما تستثمر الدول في المواهب الرياضية وتنشئها منظومات احترافية متكاملة. وإذا كان لاعب كرة القدم يُكتشف مبكراً، ويُدرب، ويحتوى ضمن بيئة داعمة تُؤمن له معيشته وتفرغه، فإن الموهوب العلمي أولى بأن يُعامل بالمنهج ذاته، بل يستوجب أعلى درجات العناية.
فكلنا نعرف أن رعاية الموهوبين واكتشاف مواهبهم لا تسير بشكل عشوائي، فهي عملية تتم عبر أدوات دقيقة تقيس القدرات المتنوعة: العقليّة، الإبداعيّة، القيادية، وحتى الوجدانيّة. فالموهبة لا تقتصر على التفوق الدراسي فقط. نجدها تظهر في التفكير النقدي، أو الابتكار، أو الحس الفني، أو القدرة على حل المشكلات.
وهنا يأتي دور المدرسة والأسرة معاً؛ فالمدرسة عبر برامج الكشف المنهجي، والأسرة عبر الملاحظة والدعم، ليُبني جسر متين يقود الطفل الموهوب إلى مسار واضح منذ سنواته الأولى.
فمعرفة أن الطالب موهوب لا تكفي، فالأهم هو كيف نحتويه؟ والاحتواء الحقيقي يعني توفير بيئة تعليمية خاصة، مرنة، محفزة تسمح للموهوب أن ينمو دون أن يكبح. ويشمل ذلك؛ برامج تعليمية متقدمة ومخصصة، ومرشدين متخصصين في رعاية الموهبة، فرص للتجربة والخطأ والابتكار، بيئة نفسية داعمة تحترم اختلافه.
وهنا تبرز فكرة «الاحتراف العلمي» أي يُعامل الموهوب كما يُعامل اللاعب المحترف: يُكتشف، ثم يُدرب، ثم يُحتضن داخل منظومة متكاملة تُصقل موهبته وتفتح له آفاق التميز.
ففي عالم كرة القدم، لا يترك اللاعب الموهوب لمصيره؛ فيُحرص على ضمه إلى نادٍ، ويتلقى تدريباً متخصصاً، ويُوفر له سكن، ورعاية صحيّة، ودعم مادي، ليُركز على تطوير أدائه فقط. فلماذا لا تُنشئ أكاديميات للموهوبين تعمل بالمنهج ذاته؟ فيقدم نموذج «الاحتراف العلمي» ليقوم على: اكتشاف الموهوبين مبكراً وضمهم لبرامج متخصصة، وتوفير منح دراسيّة كاملة تشمل التعليم والسكن والمعيشة، إشراف علمي وتربوي عالي المستوى، وربطهم بمراكز البحث والابتكار، إعدادهم لمسارات مهنية تخدم الوطن. نجد أن هذا النموذج سوف يصنع لدينا قادة فكر وعلم. ويعتبر هذا الأمر ليس جديداً على ثقافتنا، فهو امتداد لما عرفته الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها. فقد أولت عناية فائقة بالعلماء والموهوبين، حتى أصبح التفرغ للعلم قيمة عليا.
ففي بيت الحكمة في بغداد وفي مدارس العلم في دمشق وقرطبة، كان العلماء يُكرَّمون، ويُؤمَّن لهم: الرواتب (الأعطيات)، السكن، الكتب والأدوات، بيئة علميّة محفزة، بل إن بعض الخلفاء كانوا يتكفلون بنفقة العلماء كاملة، ليتفرغوا للبحث والتأليف دون انشغال بأعباء الحياة، وقد أثمر ذلك عقولاً عظيمة كالخوارزمي، وابن الهيثم، والرازي الذين استطاعوا أن يكونوا رواداً غيَّروا مسار المعرفة الإنسانية.
واليوم، ونحن نعيش في ظل رؤية وطنية طموحة، واهتمام وزارة التعليم بالموهوبين من طلابها، واضطلاع مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع وقيامهم بدوري محوري في الدعم من خلال البرامج المتنوعة التي تقدم، فإن بناء منظومة متكاملة لرعاية الموهوبين أصبح ضرورة. فنحتاج إلى انتقال نوعي من «برامج دعم» إلى «أنظمة احتراف» تُدار بكفاءة، وتُقاس نتائجها، وتربط بمستقبل الاقتصاد المعرفي.
إن الموهوب مشروع مستقبل يحتاج إلى احتواء خاص. والمسؤولية لم تعد مسؤولية مؤسسات محددة، أو مبادرات متفرِّقة. وإذا كنا نحتفي بنجوم الملاعب ونصنع مسارات أعظم، فرعاية الموهوبين مشروع دولة، يستند إلى رؤية واضحة، ومؤسسات داعمة وإيمان عميق بأن الإنسان هو الثروة الحقيقة. من هنا فإن الانتقال إلى نموذج «الاحتراف العلمي» خطوة منطقية في مسيرة وطن يراهن على عقول أبنائه ويصنع من موهبتهم مستقبلاً يليق بطموحاته.