د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
تقود السعودية مبادئ الدرعية إطارا إصلاحيا مهما للنظام المالي الدولي، وتستهدف بشكل رئيسي حوكمة صندوق النقد الدولي IMF لتعكس الواقع الاقتصادي الحالي بهدف تعزيز عدالة التمثيل، والتركيز على زيادة القوة التصويتية والتمثيلية للدول النامية واقتصادات الأسواق الصاعدة داخل الصندوق، لتعكس حصص العضوية بدقة التغيرات في الأوزان الاقتصادية النسبية في الاقتصاد العالمي، إلى جانب مواكبة التحولات التقنية، والقدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، والأصول الرقمية، مع تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي والتعاون النقدي الدولي، من أجل إعادة توجيه النظام المالي العالمي، وخارطة طريق لإصلاح الاقتصاد العالمي.
الإصلاحات التي شهدها صندوق النقد الدولي وموافقة الأعضاء على تطبيق مبادئ الدرعية التوجيهية لعام 2025 في أبريل لم يشهدها الصندوق منذ 15 عاما، خصوصا فيما يتعلق بالحصص والحوكمة، تأتي موافقة الأعضاء على تكثيف الجهود لتعزيز استقرار الاقتصاد الكلي والمالي خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك في G20 والتأكيد على قوة الاقتصاد السعودي واستمراره في تحقيق نمو مستدام ومتوازن في ظل رؤية 2030.
هذه الموافقة على مبادئ الدرعية التوجيهية تعد من أبرز التحولات في مسار إصلاح النظام المالي الدولي، بما يواكب التحولات في الاقتصاد العالمي، ويدعم استقرار النظام المالي العالمي، وهي إصلاحات تاريخية في لحظة عالمية حرجة، حيث تأتي هذه الموافقة في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي ضغوطا متزايدة نتيجة صدمات متلاحقة، من بينها الحروب والصراعات الجيوسياسية، وعلى رأسها التوترات الجارية في الشرق الأوسط، هذه التطورات لم تقتصر آثارها على الجانب الإنساني، بل امتدت لتؤثر بعمق على استقرار الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة والغذاء، مع تحمل الدول الفقيرة الأكبر من التداعيات، يعكس إدراكا متزايدا لأهمية العمل الجماعي في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.
اختيار صندوق النقد الدولي السعودية بعدما بات الاقتصاد السعودي نموذجا للمرونة والقدرة على مواجهة الأزمات من موقع قوة، وتنفيذ رؤية 2030 حصن السعودية من الصدمات الإقليمية، مدعوما بنمو صلب وتضخم محتوى، وإدارة حصيفة للسياسات النقدية والمالية، وهذه القوة لم تكن وليدة الصدفة بل نتاج تراكمي لعقود من الإصلاحات الهيكلية والاستثمار الاستراتيجي في البنية التحتية والمؤسسات، مما منح السعودية قدرة تشغيلية ومرونة عالية في امتصاص الصدمات، لتتحول مقومات القوة الوطنية إلى صمام أمان يسهم في ثقة المستثمرين والمستهلكين في الاقتصاد العالمي.
وفي إطار الربط بين الجاهزية الوطنية والأمن الماكرو - اقتصادي العالمي كدور البنية التحتية المتنوعة للطاقة والتجارة في السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستمرارية الإمدادات تحت الضغط وفي مقدمتها خط أنابيب شرق-غرب الممتد إلى ينبع، اثبتت جدواها بوصفها شريان حياة ليس فقط للصادرات السعودية، بل لإمدادات الطاقة العالمية كلها، تعكس قيمة التخطيط طويل الأمد في حماية العالم من انقطاعات الإمداد، ومعاملة السعودية لأمن الطاقة بوصفه جزءا لا يتجزأ من الاستقرار العالمي للطاقة، تجنب العالم حقبة الركود التضخمي التي سادت في فترة السبعينيات.
لذلك تعد السعودية محطة مهمة جدا لتجسيد مستهدفات إعلان الدرعية تعكس مزيجا من الواقعية والطموح، وتوفر منطلقا جماعيا لتعزيز فاعلية الصندوق في تمثيل الاقتصادات العالمية المعاصرة لتمكين الصندوق من القيام بمهامه الأساسية في الرقابة والإقراض، ومواكبة التحولات، بما يضمن استقرار النظام النقدي الدولي في مواجهة المخاطر الجيوسياسية الناشئة وشبح الركود التضخمي الذي يهدد النمو الاقتصادي العالمي.
كما رحبت مجموعة الأربعة والعشرين الحكومية الدولية المعنية بالشؤون النقدية والتنمية الدولية في اجتماعهم الخامس عشر بعد المائة في واشنطن في 14 إبريل 2026 بالاتفاق على المبادئ التوجيهية لإصلاحات الحصص والحوكمة المتضمنة في إعلان الدرعية والتي تمثل إنجازا مهما في إطار جدول أعمال إصلاح حوكمة الصندوق، وترى أنه بات العالم بحاجة إلى شبكة أمان مالي عالمية قوية، ويتعين على الصندوق مواصلة نهجه الاستباقي والمرن من خلال الرقابة اليقظة، والتقييم الآني للتداعيات، والتحليل الفعال للسيناريوهات. خصوصا عقب فترة من النمو الصلب رغم بطئه، تشهد الأوضاع الاقتصادية العالمية تدهورا حادا، مدفوعا باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، بما في ذلك أسواق الطاقة، في أعقاب الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن المتوقع حاليا أن ينخفض النمو العالمي في عام 2026 مقارنة بعام 2025، وحال استمرار الاضطرابات، قد يرتفع معدل التضخم الأساسي وغير الأساسي، نتيجة زيادة أسعار الطاقة والأغذية والأسمدة، فضلا عن تصاعد تكاليف سلاسل الإمداد والتأمين.
لكن إعلان تحالف أوبك بلس بقيادة السعودية هدفت إلى ضمان استمرار توافر إمدادات النفط، ولا سيما عبر استخدام طرق بديلة للتصدير، مما ساهم في الحد من تقلبات سوق النفط.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا