منصور بن صالح العُمري
ليست الصادرات غير النفطية رقمًا يُذكر على هامش التقارير، بل أصبحت عنوانًا لمرحلةٍ جديدة من الاقتصاد السعودي؛ مرحلةٍ لا يُقاس فيها النجاح بوفرة الموارد فحسب، بل بحسن توظيفها، ولا بامتلاك الثروة وحده، بل بقدرة تحويلها إلى تنوّعٍ مستدام.
حين تسجّل المملكة نموًا في صادراتها غير النفطية بنسبة (15%) خلال عام 2025م، فإن هذا الرقم يعكس مسارًا تصاعديًا تحقق في بيئةٍ اقتصاديةٍ مستقرة نسبيًا، ويؤكد أن التحول لم يكن وليد ضغطٍ طارئ، بل نتيجة تخطيطٍ متدرّج وبناءٍ متين.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا النمو تتجلّى اليوم... حين تدخل المنطقة في موجة توترٍ متصاعدة، وتضطرب معها الأسواق وسلاسل الإمداد، وتُختبر الاقتصادات اختبارًا حقيقيًا. وهنا لا تتراجع الصادرات غير النفطية للمملكة، ولا تنكمش، بل تحافظ على مسارها، وتؤكد قدرتها على الصمود في وقتٍ تتعثر فيه تجارب أخرى.
هنا تتجلّى رؤية السعودية 2030 لا بوصفها شعارًا يُتلى، بل مشروعًا يُقاس أثره في لحظات الاختبار. فهذه القفزة في الصادرات غير النفطية لم تكن وليدة ظرفٍ طارئ، بل ثمرة مسارٍ طويل من إعادة بناء الاقتصاد على أسس التنويع، وتعزيز المحتوى المحلي، وتمكين الصناعة، وفتح الأسواق.
لقد وضعت الرؤية منذ انطلاقتها هدفًا واضحًا: أن يتحرر الاقتصاد من أحادية المورد، وأن تتعدد روافده حتى يكون أكثر ثباتًا في وجه التقلبات. وها هي اليوم تُثبت أن ما خُطط له بالأمس، إنما كان استعدادًا واعيًا لما نعيشه الآن.
لقد انتقلت هذه الصادرات من كونها خيارًا تكميليًا إلى كونها ركيزةً أساسية؛ تُسهم في تثبيت الميزان التجاري، وتمنح الاقتصاد قدرةً أعلى على التكيّف، وتفتح آفاقًا جديدة للحضور السعودي في الأسواق العالمية. الصناعة الوطنية تتوسّع، والمنتج السعودي يُنافس، والخدمات اللوجستية تعيد رسم طرق الوصول، والأسواق تتنوّع، فلا يكون الارتباط بمسارٍ واحدٍ أو سوقٍ واحدٍ مصدر قلق، بل مجرد خيار من بين خيارات متعددة.
وفي خضم هذا المشهد، تتضح حقيقةٌ أعمق: أن من يُحسن بناء اقتصاده في أوقات الاستقرار، إنما يفعل ذلك ليحسن الوقوف في أوقات الاضطراب. فبينما تنشغل بعض الدول بإدارة الخسائر، تمضي المملكة في تثبيت مكاسبها وتعظيم حضورها بثقةٍ هادئة، لكنها راسخة.
وهكذا، لا يبدو نمو الصادرات غير النفطية رقمًا عابرًا، بل شاهد عملي على أن رهان الرؤية لم يكن طموحًا نظريًا، بل خيار استراتيجي بدأ يؤتي ثماره... ويُثبت جدارته كلما اشتدت التحديات.
وفي عالمٍ تُربك الأزمات فيه الكثيرين، تبدو المملكة وقد اختارت طريقًا مختلفًا: أن تجعل من الصادرات غير النفطية جناحًا ثانيًا للاقتصاد... لا يسانده فحسب، بل يقوده بثقةٍ إلى آفاق أرحب.