د. عبدالله علي بانخر
شهدت الأوساط الأكاديمية والمجتمعية مؤخراً حراكاً واسعاً إثر القرارات التطويرية التي أعلنتها جامعة الملك سعود، والتي شملت إعادة هيكلة بعض الكليات وإيقاف برامج تقليدية في العلوم الإنسانية والزراعية.
هذا الحراك، الذي تجاوز حدود الأسوار الجامعية ليصبح قضية رأي عام، يضعنا أمام استحقاق وطني لمناقشة مستقبل التعليم العالي من منظور «اقتصاديات الإبداع»، بعيداً عن الانكفاء على النماذج التقليدية أو الاكتفاء بردود الأفعال العاطفية. وهنا يجب التمييز بدقة بين قرارات جامعة الملك سعود كإجراء أكاديمي استراتيجي نابع من رؤية المؤسسة لمتطلبات المرحلة، وبين التقرير النوعي الذي أصدره مركز «لومينا سباير»؛ فهذا الأخير لم يكن صانعاً للقرار، بل جاء كراصدٍ منهجي لردود الفعل ومحللٍ لصدى تلك القرارات في الفضاء العام، حيث نجح في تقديم «قراءة بعدية» كشفت بمهنية عالية عن حجم التفاعل المجتمعي الذي تجاوز 17 مليون مشاهدة، مفككاً ببراعة صراع السرديات الناتج عن الفجوة بين طموح القرار الأكاديمي وبين التلقي المجتمعي له.
وعند الوقوف على تفاصيل هذا الحراك، يبرز تساؤل جوهري يتردد في الأوساط الأكاديمية: أما كان من الأجدى أن يفتح باب هذا النقاش الثري قبل صدور القرارات وليس بعدها؟ إن غياب الحوار الاستباقي مع أصحاب المصلحة والمختصين في «اقتصاديات الإبداع» هو ما ولد هذه الحالة من التوجس، مما يفتح الباب للتساؤل عما إذا كان هذا الضجيج المجتمعي وهذا الرصد العلمي لردود الفعل سيؤديان إلى إحداث تعديلات أو مرونة في تلك القرارات. إن المراجعة في ضوء التغذية الراجعة ليست تراجعاً، بل هي نضج مؤسسي يضمن أن تأتي «المسارات البديلة» محققة للتوازن بين كفاءة الإنفاق وبين الحفاظ على جوهر المعرفة بأسلوب عصري يخدم التنمية الوطنية.
إن المسار المنشود الذي تفرضه اقتصاديات الإبداع اليوم، يتطلب منا النظر إلى تخصصات كاللغة العربية والتاريخ والاجتماع باعتبارها «المواد الخام» للصناعات الثقافية والإبداعية الحديثة. ففي الاقتصاد الجديد، لا نبحث عن خريج يحفظ المتون فحسب، بل نحتاج إلى ممارس مبدع يستطيع تحويل «التاريخ» إلى محتوى رقمي جاذب للسياحة، وتوظيف «اللسانيات» في بناء نماذج الذكاء الاصطناعي، وتحويل «الأدب» إلى سيناريوهات تعزز قوتنا الناعمة. ومن هنا، فإن إعادة الهيكلة يجب أن تُقرأ كعملية «تحول استثماري» في رأس المال البشري، تمهيداً لخلق «تخصصات بينية» تدمج العلوم الإنسانية بالمهارات التقنية والإدارية، وهو ما ينسجم تماماً مع توصيات تقرير «لومينا سباير» بضرورة دمج المواد الجوهرية في مسارات رقمية عصرية تضمن توظيف الخريج واستدامة عطائه في سوق العمل.
إن نجاح هذه الجراحة التصحيحية في نظامنا التعليمي يرتكز في المقام الأول على قدرتنا على صناعة «السردية المستقبلية» التي تبرز الفرص الكامنة في اقتصاديات الإبداع، وتحول القلق من «الإلغاء» إلى تفاؤل بـ «التمكين».
فالرهان اليوم هو أن تظل تخصصاتنا الإنسانية نبضاً للهوية ومحركاً للتنمية في آن واحد، ضمن رؤية وطنية طموحة لا تعترف بالجمود، بل تسابق الزمن نحو بناء اقتصاد معرفي إبداعي مستدام، يمنح الأجيال القادمة أدوات المنافسة في عالم لا يعترف إلا بالمهارة والابتكار.