سهوب بغدادي
في عالمنا المتسارع الذي يتطلب من الفرد قرارات سريعة وثقة بالنفس، تبدو الثقة ميزة وصفة لا غنى عنها، إلا أنها حين تتجاوز الحد المعقول، تتحول إلى ما يسمى تحيز الثقة الزائدة (Overconfidence Bias) وهو ميل ذهني يجعل الفرد يبالغ في تقدير معرفته أو قدراته أو مهاراته، فيتصرف تبعًا لما يوافق تصوراته الداخلية وإن كانت المعطيات والمهارات والمعارف لديه ناقصة.
إن هذا التحيّز لا يظهر علنيًا في معظم الأحوال بل يترجم عبر الأفعال ويتسلل بهدوء عبر شعور داخلي يجعل الشخص يحدث نفسه: «أنا أعرف، أنا أستطيع، ونادرًا ما أخطئ». إن المشكلة ليست في الثقة نفسها، بل في غياب المراجعة والاختبار وتقبل النتائج المحتملة، إذ يظهر هذا التحيز في حياتنا اليومية، في أبسط المواقف، قد تقرر عدم مراجعة مهمة موكلة إليك لأنك متأكد من إتقانها وعملت عليها عددًا من المرات في السابق دون حدوث خلل، ثم تكتشف أن هناك أخطاء كان يمكن تفاديها بسهولة، أو من خلال الاعتماد على الذاكرة دون استخدام دفتر الملاحظات أو الخارطة أو الكتاب، بالتالي، تفقد الوقت والطريق والدرجات. هنا لا يكون الخطأ في القدرة فحسب، بل في تقدير الموقف ككل والتبعات المرتكزة عليه. كذا، تأتي الثقة الزائدة في العلاقات لتزعزعها.
فقد تدفع الإنسان للاعتقاد بأنه يفهم الآخرين تمامًا دون سؤالهم، ثم يتم الحكم على الموقف بناءً على الإحساس، والأسوأ التصرف وفق هذا الحكم الوهمي، كمن يقول: «فلان تجاهل اتصالي ورسائلي فهو لا يحترمني»، وقد يكون فلان مريضًا - حمانا الله وإياكم - أو فقد هاتفه، إن العلاقات لا تبنى على الحدس والتوقعات والتكهنات، بل على التواصل والتعبير عن الرغبات والاحتياجات ومحاولة حل الإشكاليات.
إذن، لماذا نقع في هذا التحيز؟
غالبًا ما يبنى التحيز على تجارب نجاح سابقة تعزز من الشعور بالقدرة، إضافة إلى رغبة داخلية وشعور بالسيطرة، أو غياب التغذية الراجعة الصادقة والبناءة؛ مما ينتج عنه اتخاذ قرارات غير مدروسة، وتكرار الأخطاء دون وعي، ثم تباطؤ أو توقف التطور في الإطار المحدد، والأكثر سوءًا أن
يتعرض الشخص الواثق لخيبة مباغتة عند الفشل، فتدمر معها صورته الذهنية عن ذاته أو العلاقات أو المهام والمهارات.
إن الحل ليس في الحد من الثقة أو جلد الذات، بل في معايرتها وتقنينها.
اسأل نفسك ما الدليل على صحة قراري؟ لو كنت شخصًا آخر ما الرأي الذي يمكن أن أتخذه؟ وهكذا، ثم راجع قراراتك بعد التنفيذ، واطلب رأيًا ناقدًا محايدًا، بالتأكيد لا تنسَ أن تضع خططًا بديلة لأي قرار، وقيم أداءك بالأرقام والمعايير إن توافرت، لا بالشعور والإحساس فقط.
إن الثقة قوة، لكنها تحتاج إلى وعي وضبط واتزان.