فاطمة آل مبارك
يمرّ المشهد الإعلامي بمرحلة يمكن وصفها بالتضخم الهيكلي والضمور المعرفي. فنحن لا نواجه نقصًا في الوسائل بقدر ما نواجه فائضًا يربك بوصلة التوجيه. تحوّل المنبر من أداة للقيادة والتنوير إلى وعاء لإعادة التدوير، وأضحى التدفق الإعلامي أقرب إلى ضوضاء بيضاء تحجب الرؤية وتشتت الوعي الجمعي.
لم يعد السؤال: كيف نزيد عدد المنصات؟ بل: كيف نستعيد سلطة التأثير وسط هذا الركام من الاستنساخ؟
السيادة الاتصالية، في جوهرها ليست إدارةً للمحتوى، بل إدارةٌ للمعنى إذ يغدو المعنى العملة الأثمن في العصر الرقمي. فمن يمتلك سلطة التعريف، يمتلك ضمنًا سلطة التوجيه، إن المعركة المعاصرة لا تدور حول الوقائع بقدر ما تدور حول تفسيرها، حيث إن إعادة تأطير الحدث هي في حقيقتها، إعادة تشكيل للوعي الجمعي. ومن هنا، لا يُقاس التفوق الإعلامي بامتداد الانتشار أفقيًا، بل بعمق ترسّخه في الوعي حين تتحول الرواية إلى مرجعية، والمرجعية إلى ثقة، والثقة إلى نفوذٍ مستدام.
تواجه كثير من الصحف الإلكترونية نمطًا متكررًا من الاعتماد على الوكالات وإعادة إنتاج المحتوى، حيث يتداول الخبر ذاته عبر عناوين متعددة دون إضافة تحليلية أو منظور وطني، مما يحدّ من فاعلية الإعلام ودوره التفسيري. وفي هذا السياق، تنزاح الأولويات تدريجيًا من بناء الوعي إلى تعظيم الزيارات، فتتسع مساحة القضايا الهامشية والترندات العابرة على حساب الموضوعات الجوهرية، ويتراجع الدور القيادي للمؤسسات في تشكيل الرأي العام.
كما أصبحت السرعة مؤشرًا بارزًا للتنافس، في مقابل تراجع الأثر بوصفه معيارًا للقيمة. وفي ظل هذا السباق، انحسر العمق التحليلي لصالح النشر العاجل، وتقلّص حضور كاتب الرأي الإستراتيجي، وتوارى المحلّل القادر على استشراف ما وراء الخبر وقراءته في سياقه الأوسع.
ازداد المشهد تعقيدًا مع خضوع المنصات لمنطق الخوارزميات والترند، حتى باتت بعض المؤسسات الإعلامية تُدار وفق الذائقة اللحظية للجمهور، بدل أن تمارس دورها في توجيه الوعي وصناعة الاتجاه. وفي هذا المناخ، يسهم تكرار الأخبار بصيغ متطابقة في ترسيخ حالة من اللامبالاة، كما يمنح الشائعة مظهرًا خادعًا من الموثوقية، حيث يغدو انتشارها قرينةً زائفةً على صحتها. ومع تداخل المصادر وتشابه الصياغات، تلتبس طبيعة المحتوى، فتتراجع قدرة المتلقي على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وهو ما ينعكس سلبًا على المناعة الفكرية للمجتمع. كما أن إعادة إنتاج الأخبار دون تمايز تُفرغها من أثرها، وتحولها إلى مادة مستهلكة، مما يضعف فاعلية الرسالة الإعلامية ويحدّ من قدرتها على التأثير.
من يقود المشهد؟
حين يغيب الصوت الرزين وسط ضجيج المنابر، لا تبقى الساحة بلا قيادة، بل تنتقل تلقائيًا إلى فراغٍ تتسلل إليه الشائعات والروايات المضللة والمنصات الخارجية، فتتشتت الجهود الوطنية وتُختزل القضايا الكبرى في وسوم عابرة. وهنا تتحول كثرة المنابر من علامة ثراء إلى ثغرة في الأمن المعرفي بمفهومه الشامل لأن المحتوى الضعيف يدفع الجمهور للبحث عن الحقيقة خارجياً، في وقت تحتاج فيه الأزمات إلى صوت موثوق لا إلى ضجيج متكرر.
الإعلام قطاعٌ موازٍ للدولة، وأداةٌ من أدواتها السيادية الناعمة. وفي عالمٍ تتنافس فيه الدول على تفسير الحدث واستباقه، تتجسد السيادة الاتصالية بوصفها قدرةً استباقية على إنتاج المعنى، وصياغة الإدراك.
وفي السياق الوطني، فإن التحول نحو مركزية الأثر يتناغم مع روح رؤية السعودية 2030، التي أعادت تعريف مفهوم الكفاءة في مختلف القطاعات جودة لا كثافة، أثر لا وفرة، استدامة لا تكرار. فكما أن الاستثمار في الإنسان والمعرفة هو ركيزة التحول، فإن الإعلام بوصفه قطاعًا معرفيًا مؤثرًا لا يمكن أن يبقى خارج معادلة التمكين النوعي، بل إن هندسة كيانات إعلامية قوية، قادرة على إنتاج سرد وطني احترافي، تمثِّل امتدادًا طبيعيًا لمشروع التحول الوطني.
ولنكن أكثر صراحة: إن التوسع في الترخيص دون اشتراط تمايز فكري حقيقي أسهم في خلق بيئة تنافسية ظاهرها التعدد، وباطنها التشابه. فكثرة المنصات لم تنتج تنوعًا في الرؤى، بل أعادت إنتاج النسخة ذاتها بلغة مختلفة. واستمرار هذا النمط يهدد بتحويل الإعلام إلى نشاط تجاري منخفض القيمة المعرفية، ويجعل المؤسسات أسيرة مزاج اللحظة بدل أن تكون موجِّهة له. فالمنصة التي لا تضيف معرفة جديدة، مهما ارتفع عدد زوارها، لا تضيف وزنًا إستراتيجيًا للمشهد الوطني.
تتجه الحاجة اليوم نحو بناء كيانات إعلامية أكثر تكاملًا، بدلًا من التوسع الكمي في عدد المنصات. كيانات قادرة، بملاءتها المالية ومواردها البشرية، على إنتاج محتوى نوعي يحقق تأثيرًا يتجاوز الحدود المحلية. وفي هذا السياق، يبدو تشجيع الاندماجات بين الصحف الصغيرة خطوة منطقية لتعزيز الكفاءة، حيث إن تجمّع الموارد ضمن مؤسسات قوية تضم مراكز دراسات ووحدات إنتاج وأقلامًا فكرية، يحقق أثرًا أعمق من تشتتها في منصات متعددة يغلب عليها إعادة التدوير.
كما يتطلب هذا التحول دعم المنصات التي تقدم الدراسات، والتحقيقات الاستقصائية، والقراءات التحليلية التي تخدم صانع القرار والمجتمع، بعيدًا عن منطق الإثارة. ويستدعي كذلك صناعة جيل من المؤثرين المؤسسيين الذين يجمعون بين جاذبية الأدوات الرقمية ورصانة الطرح الوطني، مع إعادة صياغة معايير الدعم والتقييم بحيث تُقاس المؤسسات بقدرتها على تغيير القناعات ودقة الرواية، لا بعدد المشاهدات وحده. ومن الضروري أيضًا إنشاء وحدات متخصصة لرصد الروايات الزائفة وتفنيدها بلغة معرفية رصينة، إلى جانب إعادة الاعتبار لكاتب المقال والمفكر بوصفهما واجهة للمشهد لا هامشًا فيه.
صفوة القول: ثمة حقيقة تتجلَّى في أن الترخيص الإعلامي استحقاق فكري يقوم على التمايز الحقيقي، ويتجاوز كونه إجراءً إدارياً مجرداً. إن السؤال الجوهري الذي يسبق إطلاق أي منصة جديدة يكمن في ماهية الإضافة النوعية التي ستقدمها هذه المؤسسة، والقيمة المتفرّدة التي ستحققها في فضاء المنافسة.
إن ريادة المشهد الإعلامي تستقر لدى الطرف القادر على صياغة أصدق رواية وإحداث أعمق أثر.