د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
لم يعد الظهور في البثوث المباشرة على TikTok مجرد وسيلة تواصل عابرة، بل تحوّل إلى ظاهرة يومية جارفة، تجاوزت حدود الترفيه لتصبح نمطًا سلوكيًا متكررًا، يمارسه الجميع تقريبًا، دون تمييز بين صغير وكبير، أو بين من يعي أثر ما يقدّم ومن ينساق خلف لحظة عابرة من الظهور.
لكن الإشكال لم يعد في كثرة هذه البثوث، بل في طبيعتها ومضمونها؛ حيث بات المشاهد أمام سيلٍ من المحتوى الفارغ، الذي لا يحمل فكرة، ولا يقدم قيمة، ولا يضيف معرفة، بل يكرِّس السطحية، ويُطبع السلوكيات غير اللائقة، ويعيد تشكيل الذوق العام في اتجاهٍ مقلق. أحاديث متكررة، مواقف مفتعلة، استعراضات شخصية، ومشاهد لا هدف لها سوى جذب الانتباه، ولو على حساب القيم، أو على حساب الحياء، أو حتى على حساب كرامة الإنسان نفسه.
الأخطر من ذلك أن هذه البثوث لم تعد محصورة في فئة عمرية أو مستوى معين، بل أصبحت مفتوحة للجميع، حتى دخلها الأطفال والناشئة، لا كمشاهدين فحسب، بل كمشاركين أيضًا.
وهنا تتضاعف الخطورة؛ لأن الناشئ لا يملك بعد أدوات التمييز الكافية، فيرى في هذه النماذج طريقًا سريعًا للشهرة، فيقلّدها، ويعيد إنتاجها، دون إدراك لما تحمله من آثار سلبية على شخصيته وسلوكه ومستقبله.
لقد تغيّر معيار «النجاح» في هذا الفضاء؛ فلم يعد قائمًا على الإنجاز أو الفكرة أو العطاء، بل على عدد المتابعين، وكمية التفاعل، وقيمة الهدايا الرقمية.
وهذا التحول الخطير يُرسِّخ مفهومًا مشوَّهًا للنجاح، مفاده أن الظهور -بأي شكل- هو الغاية، وأن القيمة تُقاس بما يُشاهد، لا بما يُفيد.
إننا أمام حالة من الانفلات الرقمي، حيث غابت المعايير، وتراجعت الرقابة الذاتية، وتقدّم «الترند» على القيم، حتى أصبح البعض مستعدًا لعرض خصوصياته، أو تجاوز حدوده، أو افتعال المواقف، فقط ليبقى حاضرًا في دائرة الضوء.
وهذا في حقيقته ليس حضورًا، بل استهلاك للذات، واستنزاف للوقت، وتفريغ للحياة من معناها.
ولا يمكن إغفال الأثر التراكمي لهذه البثوث؛ فهي لا تمر مرورًا عابرًا، بل تُسهم في إعادة تشكيل وعي المجتمع، وتؤثِّر في لغة الناس، وسلوكهم، ونظرتهم إلى الحياة. وحين يتكرر المحتوى الهابط، فإنه يتحول -مع الزمن- إلى مألوف، ثم إلى مقبول، ثم إلى نموذج يُحتذى، وهنا تبدأ مرحلة الخطر الحقيقي.
إن المسؤولية في هذا المشهد لا تقع على المنصات وحدها، ولا على الجهات المنظمة فقط، بل تبدأ أولًا من الفرد نفسه؛ لأن كل بث هو رسالة، وكل كلمة تُقال هي أثر، وكل ما يُعرض هو سجل يُكتب، لا يزول بانتهاء البث، بل يبقى محفوظًا، متداولًا، مؤثرًا.
وقد قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم».
فإذا كان الإنسان يُحاسب على الكلمة التي يقولها في مجلس محدود، فكيف بالكلمة التي تُبث، وتُشاهد، وتُعاد، وتنتشر بين الناس؟
إن تحويل الحياة إلى بثٍ مفتوح بلا ضوابط، هو في جوهره إلغاء لمعنى الخصوصية، وتفريغ للوقت فيما لا ينفع، وإسهام في صناعة بيئة رقمية مضطربة، تُغري بالسطحية، وتُبعد عن الجدية، وتُربك معايير التقييم لدى الأفراد والمجتمعات. ولا يعني هذا رفض التقنية أو الدعوة إلى الانعزال، فالتقنية -في أصلها- أداة، يمكن أن تكون وسيلة بناء كما يمكن أن تكون وسيلة هدم.
لكن الفارق الحقيقي يكمن في وعي المستخدم، وفي قدرته على ضبط حضوره، وتحديد رسالته، واختيار ما يليق أن يُقدّم وما ينبغي أن يُترك.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من البثوث، بل إلى مزيد من الوعي.
وليست إلى مزيد من الظهور، بل إلى مزيد من المسؤولية.
وليست إلى متابعة كل ما يُعرض، بل إلى نقده وتمييزه ورفض ما لا يليق.
وفي نهاية المطاف، سيبقى السؤال الذي لا مفر منه:
ماذا قدمت هذه البثوث للإنسان؟
وهل كانت شاهدًا له.. أم عليه؟