د. سطام بن عبدالله آل سعد
حين تصدر التقارير السنوية، تظهر الأرقام أولًا في صورة نسب ترتفع، ومؤشرات تتحسن، وأهداف تتحقق؛ غير أن هذه الأرقام تحمل خلفها قصة كاملة، ولا تكتمل قيمتها إلا حين نرى أثرها في حياة الناس؛ في البيت، والمستشفى، والطريق، والعمل، والسوق، والمدينة.
تقرير رؤية المملكة 2030 لعام 2025 يجيب عن سؤال جوهري: ماذا تغيّر في حياة المواطن والمقيم بعد عقد من انطلاق الرؤية؟
في السكن والصحة والسلامة تبدو الصورة واضحة؛ فارتفاع تملك الأسر السعودية إلى 66.24% يعني أن عددًا أكبر من الأسر أصبح يعيش في بيت يملكه، بما يمنحها استقرارًا أعلى، وضغطًا أقل من الإيجار، وقدرة أوضح على التخطيط للمستقبل. كما أن وصول تغطية الرعاية الصحية إلى 97.5% من التجمعات السكانية يعني أن الخدمة اقتربت من الإنسان، وأن العلاج أصبح أقرب إلى الأسرة وقت الحاجة. أما ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى 79.7 عامًا، وانخفاض وفيات الحوادث المرورية بأكثر من 60%، فيحملان معنى مباشرًا: حياة أطول، وطرقًا أكثر أمانًا، وأسرًا أقل تعرضًا لفقد أفرادها.
في الاقتصاد، تشير الأرقام إلى تحول كبير في القاعدة لا في السطح؛ فمساهمة الأنشطة غير النفطية بأكثر من 55% في الناتج المحلي، ونمو الناتج غير النفطي بنسبة 4.9%، يعنيان أن الاقتصاد يتحرك نحو تنويع أوسع وقاعدة إنتاج أكثر توازنًا. فالاقتصاد الذي يعتمد على مصدر واحد يظل مكشوفًا أمام التقلبات، أما الاقتصاد المتنوع فيمنح الناس فرصًا أكثر، ويمنح الدولة قدرة أعلى على الصمود والاستمرار.
وتتسع قاعدة الفرص حين تصل المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 1.7 مليون منشأة؛ فهذا الرقم يتجاوز دائرة رجال الأعمال إلى الشباب والفتيات والأسر والاقتصاد المحلي. فكل منشأة قد تعني وظيفة جديدة، أو دخلًا إضافيًا، أو مشروعًا لعائلة، أو حركة اقتصادية في حي أو مدينة أو محافظة. والاقتصاد الحقيقي يظهر في المتجر، والمقهى، والورشة، والمنصة الرقمية، وفي كل باب رزق جديد يُفتح للناس.
وفي سوق العمل، تعكس مشاركة المرأة بنسبة 35%، وامتلاك السيدات 48% من السجلات التجارية، تحولًا يتجاوز قيمته الرقمية إلى أثر اقتصادي واجتماعي مباشر؛ فالمرأة السعودية أصبحت جزءًا فاعلًا في الإنتاج والإدارة والتجارة، بما يرفع دخل الأسر، ويزيد كفاءة السوق، ويضيف طاقة وطنية أخذت موقعها الطبيعي في الاقتصاد. ومع دخول هذه الطاقة إلى ميادين العمل والأعمال، تتسع التنمية من داخل المجتمع نفسه.
أما السياحة، فقد تحولت من نشاط موسمي إلى اقتصاد يومي واسع الأثر؛ فوصول عدد السياح إلى 123 مليونًا، وبلوغ الإنفاق السياحي 304 مليارات ريال، يعنيان فرصًا أكبر في الفنادق، والمطاعم، والنقل، والإرشاد، والحرف، والأسر المنتجة، والمتاجر الصغيرة. فالسياحة هنا دخل محلي، وفرصة عمل، ومسار عملي لإبراز هوية البلد أمام العالم.
وفي الاستدامة البيئية، تبدو الأرقام مرتبطة بالمستقبل بقدر ارتباطها بالحاضر؛ فزراعة أكثر من 151 مليون شجرة، وارتفاع الطاقة المتجددة إلى 46 جيجا واط، وتوسع إنتاج المياه وتخزينها، تعني أن التنمية تبني اليوم ما يبقى صالحًا للغد.
إنّ تقرير رؤية 2030 لعام 2025 يضع المواطن في قلب التحول؛ فالرقم يصبح مهمًا حين يتحول إلى بيت أكثر استقرارًا، وخدمة صحية أقرب، وطريق أكثر أمانًا، وفرصة عمل أوسع، واقتصاد أكثر تنوعًا، وبيئة أكثر قدرة على الاستمرار. هذه هي القصة الحقيقية: وطن يجعل الخطة أثرًا حين يحوّل المؤشر إلى حياة، ويصوغ من الرؤية مستقبلًا يلمسه الإنسان في يومه قبل أن يقرأه في التقرير.