عبد العزيز الموسى
حين أعلن الأمير محمد بن سلمان رؤية السعودية 2030 في أبريل 2016م، بدا الأمر لكثيرين وكأنه مشروع اقتصادي ضخم يسعى لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. لكن ما لم يكن ظاهرًا بالقدر الكافي آنذاك، هو أن الرؤية كانت في جوهرها مشروعًا لإعادة تشكيل الوعي، وفي قلب هذا الوعي يقف الخطاب الديني بوصفه أحد أكثر العناصر تأثيرًا في المجتمع.
قبل ذلك التاريخ، لم يكن الخطاب الديني في السعودية جامدًا، لكنه كان مثقلًا بتراكمات طويلة من الاجتهادات الضيقة، وبتداخل معقد بين الفقه القديم والعادات الاجتماعية، وبحضور خطاب يميل -في عدد من تجلياته- إلى التشدد والانغلاق. ومع تصاعد التوترات في المنطقة، وصعود تيارات الإسلام السياسي المتطرفة التي وظّفت الدين في الصراع السياسي، أصبح من الواضح أن الاستمرار في المسار ذاته لم يعد خيارًا.
هنا جاء التحول الذي قاده الأمير محمد بن سلمان، واضعًا معادلة جديدة: «لا تنمية بلا إصلاح ديني، ولا إصلاح ديني بلا شجاعة في المراجعة». وفي أحد أبرز تصريحاته، لخّص هذا التوجه بقوله حفظه الله: إن السعودية «ستعود إلى الإسلام الوسطي المعتدل، المنفتح على العالم»، وهي عبارة لم تكن مجرد توصيف، بل إعلان مسار تصحيحي جاد.
ولم يكن هذا التوجه حكرًا على الخطاب التنفيذي، بل عبّر عنه رأس الدولة بوضوح حين قال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله في مجلس الشورى 2017م:
«إنه لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالًا ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه، ولا مكان لمنحل يرى في حربنا على التطرف وسيلة لنشر الانحلال».
بهذه العبارة الحاسمة، جرى ترسيم حدود الطريق: اعتدالٌ بلا غلو، وانفتاحٌ بلا تفريط.
ولم يكن هذا المسار نظريًا؛ ففي مساجد السعودية اليوم، يمكن ملاحظة تحوّل في مضمون الخطاب الديني بتوجيه رسمي ملزم، لا فردي كالسابق، حيث تتناول بعض الخطب قضايا مثل جودة الحياة، والحفاظ على البيئة، والمسؤوليات المجتمعية، وأثر السلوك الرقمي على المجتمع، وخطر الفساد والغش التجاري، والتحذير من الجماعات المتطرفة والإرهاب والغلو والتشدد، وتعزيز السِّلم والتسامح وقيم الوسطية والاعتدال، وبيان سماحة الدين ويسره. وهي موضوعات تعكس انتقالًا من خطاب تقليدي منغلق إلى خطاب أكثر اتصالًا بالواقع واحتياجات العصر.
في الحقيقة إن أولى الخطوات الحاسمة تمثلت في تفعيل الأمر الملكي الكريم بتنظيم الفتوى، وحصرها ضمن أطر مؤسسية واضحة، بما أنهى فوضى الأصوات المتعددة التي كانت تُربك المشهد وتفتح الباب ضد الدولة أمام التشدد، خاصة في فترة الربيع العربي. فلم يعد بإمكان أي فرد أن يتصدر الخطاب الديني دون تأهيل أو مسؤولية، بل أصبح القول في الدين مرتبطًا بمرجعية علمية رسمية منضبطة.
كما أُعيد توجيه الخطاب الديني نحو مقاصد الشريعة الكبرى، حيث تقدمت قيم الرحمة والاستقرار وحفظ الكرامة الإنسانية والأمن وحفظ النفس والعقل والمال والعرض، على الجدل في الجزئيات الفقهية والخلافات المذهبية التي تذكي نار الطائفية في المجتمع، والحديث الفردي الذي لا يلامس الواقع. وانعكس ذلك على المنابر الشرعية والإعلام والمحتوى التوعوي الرقمي، الذي أصبح في عدد من حالاته أقرب إلى حياة الناس وأكثر التصاقًا بأسئلتهم اليومية.
وفي التعليم، جرى تطوير المناهج الدينية لتقليل النزعة الإقصائية وتعزيز مفاهيم التعايش والانفتاح وقبول الآخر والتعددية الإيجابية. ولم يعد التعليم قائمًا على التلقين، بل بات -ولو تدريجيًا- يسعى إلى بناء وعي يميز بين النص وتفسيره، وبين الثابت والمتغير، وبين القول بحكم الله ورأي الفقه الاجتهادي. ودخلت مناهج الفلسفة والمنطق والتفكير النقدي التي لم تكن موجودة من قبل لذات السبب، وكذا تعزيز قيم المواطنة وحب الوطن ومكانته في حياة الناس.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد تراجع خطاب الوصاية الديني على الفرد والمجتمع، واتسعت مساحة الاختيارات الفردية ضمن الإطار العام. وصار النظام هو الحاكم لا غير، ومن أبرز الشواهد على ذلك تمكين المرأة بالسماح بمرسوم ملكي كريم بقيادة المرأة للسيارة بعدما كان حبيس الرأي الفقهي في الخطاب الديني القديم، وارتفاع نسبة مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل بعيدًا عن القيود السابقة إلى أكثر من 35 % خلال سنوات الرؤية، وهو تحول لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل ارتبط بإعادة قراءة كثير من التصورات الفردية التي اكتسبت طابعًا دينيًا وهي في حقيقتها اجتماعية تاريخية.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الإصلاح الديني بمعزل عن المواجهة الحاسمة مع التنظيمات المتشددة، التي شكّلت لسنوات تحديًا أمنيًا وفكريًا في آنٍ واحد. وخلال الأعوام الأخيرة، نجحت السعودية -بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود والأمير محمد بن سلمان- في تفكيك بنية هذه التنظيمات وتجفيف منابعها إلى حدٍ يرى معه بعض المراقبين أن ما تحقق يوازي عقودًا من العمل المتراكم. ومع ذلك، يبقى التحدي قائمًا على مستوى الوعي المؤسسي؛ بالتعامل مع فكر الجماعات المتشددة بوصفه خطرًا عابرًا لا مشروعًا أيديولوجيًا طويل الأمد، وهو ما يفرض الحاجة إلى يقظة مستمرة لا تكتفي بالمعالجة الأمنية، بل تمتد إلى المواجهة الفكرية العميقة. ومع تضييق المساحات أمام تلك التنظيمات في الداخل، تكون السعودية قد قطعت شوطًا كبيرًا في إغلاق الطريق أمام عودتها، لا بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء البيئة الفكرية التي كانت تتسلل من خلالها بطرق شتى.
ورغم هذا التقدم، لا يخلو المسار من تحديات؛ فالإصلاح الديني بطبيعته يلامس مناطق حساسة، ويصطدم أحيانًا بمخاوف مشروعة أو مقاومة فكرية ترى في التغيير تهديدًا للثوابت. كما أن التوازن بين الحفاظ على الهوية الدينية والانفتاح على عالم سريع التحول يظل معادلة دقيقة تحتاج إلى مراجعة مستمرة.
إقليميًا ودوليًا، لم يعد هذا التحول شأنًا داخليًا؛ فالسعودية، بحكم مكانتها في العالم العربي والإسلامي، تقدم اليوم نموذجًا مختلفًا في إدارة العلاقة بين الدين والدولة؛ نموذجًا يسعى إلى تحييد الدين عن الصراعات الأيديولوجية، وتوظيفه كمشارك في الاستقرار والتنمية وكشأن فردي بين الإنسان والخالق، وعام في النظام الأساسي للحكم. وفي زمن تتنازع فيه نماذج متطرفة ومسيّسة، يكتسب هذا المسار دلالة تتجاوز حدود الجغرافيا.
الآن، بعد عشر سنوات، لم تعد المسألة مجرد إصلاحات جزئية وفردية، بل إعادة صياغة للسؤال الديني نفسه: كيف يمكن للخطاب الديني أن يكون قوة بناء لا أداة صراع؟ وكيف يمكن أن يظل ثابتًا في أصوله، مرنًا في فهمه، حيًا في حضوره؟
السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لم يعد: ماذا غيّرت السعودية؟ بل: هل أصبح الإصلاح الديني شرطًا لازمًا لأي مشروع نهضوي في العالم الإسلامي؟
تجربة العقد الماضي لا تقدم إجابة نهائية، لكنها تفرض حقيقة يصعب تجاهلها: أن الأمم التي تعيد قراءة دينها بوعي، هي الأقدر على إعادة كتابة مستقبلها.
وفق الله الأمير محمد بن سلمان لكل خير يحبه ويرضاه.
إلى اللقاء.