د. هبة توفيق أبو عيادة
في الأزمنة الماضية كانت الدول تُقاس بما تختزنه أرضها من نفطٍ أو غازٍ أو معادن، وكانت الخرائط الاقتصادية تُرسم فوق مواقع الآبار والموانئ والممرات التجارية. أما اليوم، فقد تبدّل المشهد كثيرًا، وأصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا تملك تحت الأرض؟ بل ماذا تملك فوقها من عقولٍ مبدعة، وأفكارٍ مبتكرة، وكفاءاتٍ قادرة على تحويل المعرفة إلى قوة. وهنا يبرز مفهوم الاقتصاد المعرفي بوصفه عنوان العصر الجديد، حيث تصبح العقول أثمن من النفط، ويغدو الإنسان المؤهل هو الثروة التي لا تنضب فالإنسان أغلى ما نملك.
النفط مورد محدود، مهما طال عمره فمصيره إلى النضوب، كما أن أسعاره تتقلب وفق السياسة والحروب والأزمات والمضاربات. أما المعرفة فكلما استُخدمت ازدادت، وكلما أُنفِق منها تضاعفت، وكلما تقاسَمها الناس اتسعت آثارها. الفكرة الواحدة قد تنشئ شركة عالمية، وبرنامج صغير قد يدر مليارات، واختراع بسيط قد يغير حياة الملايين. ولهذا لم تعد الدول المتقدمة تركض فقط خلف الموارد الطبيعية، بل تركض قبل ذلك خلف العلماء والباحثين والمبرمجين ورواد الأعمال.
الاقتصاد المعرفي يقوم على التعليم النوعي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والابتكار، وريادة الأعمال، والبنية الرقمية، وسياسات تشجع الإبداع وتحمي الملكية الفكرية. ففي هذا الاقتصاد لا يُنظر إلى المدرسة على أنها مكان لتلقين المعلومات، بل مصنع لإعداد الإنسان القادر على التفكير والتحليل والحل والإنتاج. ولا تُرى الجامعة مجرد مبنى يمنح الشهادات، بل مركزًا لتوليد الأفكار، وربط البحث بحاجات السوق، وصناعة الحلول الوطنية.
قارئنا الكريم: انظر إلى كثير من الشركات الكبرى في العالم، ستجد أن قيمتها السوقية لا تقوم على مصانع ضخمة ولا على مناجم مترامية، بل على المعرفة والبرمجيات والابتكار والعلامة التجارية والبيانات. شركات بدأت من مرآب صغير أو غرفة جامعية، ثم أصبحت أقوى تأثيرًا من شركات تملك حقولًا واسعة. وهذا يثبت أن رأس المال الحقيقي لم يعد الحديد والإسمنت فقط، بل الذكاء البشري المنظم.
فالدول التي فهمت هذا التحول استثمرت مبكرًا في الإنسان. رفعت جودة التعليم، وشجعت البحث العلمي، وموّلت المشاريع الناشئة، وربطت الجامعات بالصناعة، واستقطبت العقول من كل مكان. لذلك تقدمت بسرعة، وخلقت فرص عمل جديدة، ورفعت إنتاجيتها، وأصبحت قادرة على المنافسة عالميًا. في المقابل، فإن الدول التي بقيت أسيرة الاقتصاد التقليدي، أو أهملت مدارسها وجامعاتها، تجد نفسها متأخرة ولو امتلكت ثروات طبيعية كبيرة.
وفي عالمنا العربي، نحن أمام فرصة تاريخية وتحدٍّ كبير في الوقت ذاته. لدينا طاقات شبابية واسعة، ونسب استخدام مرتفعة للتكنولوجيا، وعقول مبدعة حين تجد الفرصة. لكننا ما زلنا بحاجة إلى إصلاحات جادة تجعل التعليم أولوية حقيقية لا شعارًا، وتحوّل البحث العلمي من هامش إلى مركز، وتدعم الريادة بدل تعقيدها، وتكافئ الكفاءة بدل المجاملة، وتفتح المجال أمام الموهوبين بدل دفعهم إلى الهجرة. فكم من عقل عربي لامع صنع النجاح في الخارج لأنه لم يجد البيئة الحاضنة في الداخل. إن الاقتصاد المعرفي لا يعني فقط إنتاج تطبيقات الهواتف أو العمل في قطاع التقنية؛ بل هو طريقة تفكير شاملة تشمل الزراعة الذكية، والصناعة المتقدمة، والطب الرقمي، والطاقة النظيفة، والخدمات الحديثة، والإدارة الفعالة. حين يدخل العلم إلى أي قطاع، ترتفع قيمته ويزداد عطاؤه. الفلاح الذي يستخدم البيانات والتقنيات الحديثة أكثر قدرة من فلاح يعتمد الحدس فقط، والمصنع الذي يوظف الذكاء الاصطناعي أقوى من مصنع يعمل بعقلية الأمس.
ومن أخطر الأخطاء أن نظن أن الثروة الطبيعية تكفينا إلى الأبد. فكم من دول أغناها المورد وأفقرها سوء الإدارة، وكم من دول فقيرة بالموارد أغناها الإنسان. اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها أمثلة على أن العقل إذا أُحسن استثماره يصنع المعجزات. لم تنتظر هذه الدول كنزًا من باطن الأرض، بل صنعت كنزها في المدارس والمختبرات ومراكز التطوير.
أختم مقالي هذا وأقول إن المعركة القادمة بين الدول لن تكون فقط على الآبار والموانئ، بل على المواهب والبراءات والبيانات والابتكار. ومن لا يملك المعرفة سيظل مستهلكًا لما يصنعه غيره، تابعًا لتقنيات غيره، مرتهنًا لأسواق غيره. أما من يملك العقل المنتج، فإنه يملك القدرة على الاستقلال والتأثير وصناعة المستقبل. لهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة هو الاستثمار في الإنسان. بناء مدرسة جيدة قد يساوي اكتشاف حقل نفط، وتمويل باحث مبدع قد يفتح باب صناعة كاملة، ورعاية موهبة صغيرة قد تغيّر اقتصاد وطن. لقد دخل العالم زمنًا جديدًا، زمنًا لا تُقاس فيه الأمم بما تحت أقدامها، بل بما في عقول أبنائها. وفي هذا الزمن، حقًا، أصبحت العقول أثمن من النفط.
** **
أستاذ مشارك في القيادة التربوية - رئيس قسم الإدارة التربوية (الدراسات العليا) الجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا - مدرب دولي معتمد اتحاد المدربين العرب.