هدى بنت فهد المعجل
يقول أرنست همنجواي إن «أفضل مدرسة للكاتب هي طفولة شقية»، وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى المفارقة منها إلى القاعدة، لكنها في عمقها تكشف عن فهم دقيق لطبيعة التكوين الإبداعي للكاتب. فالطفولة الشقية، بما تحمله من اضطراب وتجارب حادة ومواقف غير مستقرة، لا تُعد مجرد مرحلة عابرة، بل مخزون نفسي ومعرفي تتشكل منه لاحقًا رؤية الكاتب للعالم.
من الناحية الأدبية، يُنظر إلى التجربة بوصفها المادة الخام التي يُصاغ منها النص. والطفولة الشقية غالبًا ما تكون غنية بالتجارب: صراعات، تمرد، اكتشافات مبكرة، وربما إحساس مبالغ فيه بالوحدة أو الاختلاف. هذه العناصر تخلق لدى الطفل حساسية مفرطة تجاه التفاصيل، فيتعلم مراقبة العالم بعين متيقظة، لا تكتفي بالظاهر بل تنفذ إلى العمق. وعندما يكبر هذا الطفل ويصبح كاتبًا، تتحول تلك المراقبة إلى قدرة سردية، وتصبح تلك الذكريات وقودًا للخيال.
أما من المنظور العلمي، فالأمر يرتبط بما يُعرف في علم النفس بـ«المرونة النفسية» (Resilience). الأطفال الذين يمرون بتجارب صعبة أو غير مستقرة يطورون -في كثير من الحالات- قدرة أعلى على التكيف مع الضغوط، كما تتعزز لديهم مهارات التفكير التأملي ومحاولة فهم الذات والعالم. هذه العمليات الذهنية لا تحدث بمعزل عن الشعور، بل تنشأ من احتكاك مباشر بالحياة، وهو ما يجعل الكاتب لاحقًا أكثر صدقًا في التعبير وأكثر قدرة على بناء شخصيات حقيقية ومعقدة.
لكن يجب الانتباه إلى أن «الشقاوة» هنا لا تعني الفوضى المطلقة أو الحرمان القاسي، بل تشير إلى نوع من الثراء التجريبي، حتى لو كان مؤلمًا. فليست كل طفولة صعبة تُنتج كاتبًا، كما أن الطفولة الهادئة لا تعني بالضرورة غياب الإبداع. الفارق يكمن في كيفية معالجة تلك التجارب. الطفل الذي يمتلك حدًا أدنى من الأمان العاطفي، رغم شقاوته، يكون أكثر قدرة على تحويل الألم إلى معنى، بينما قد تؤدي القسوة المفرطة إلى نتائج عكسية، فتخنق القدرة على التعبير بدل أن تغذيها.
الكتابة، في جوهرها، هي محاولة للفهم قبل أن تكون وسيلة للتعبير. والطفولة الشقية تطرح على صاحبها أسئلة مبكرة: لماذا يحدث ما يحدث؟ ولماذا أشعر بهذا الشكل؟ هذه الأسئلة، وإن لم تجد إجابات فورية، تظل كامنة في الداخل، وتتحول مع الزمن إلى دافع للبحث والتأمل.
ومن هنا، يصبح الكاتب ليس مجرد ناقل للحكايات، بل باحث عن المعنى، يستخدم اللغة كأداة لاستكشاف ذاته والعالم من حوله.
كما أن الشقاوة تُكسب الطفل نوعًا من الجرأة. الطفل الذي يختبر الحدود ويتجاوزها يتعلم أن العالم ليس مغلقًا، وأن بإمكانه إعادة تشكيله. هذه الجرأة تظهر لاحقًا في الكتابة على شكل تجريب في الأسلوب، وكسر للقوالب التقليدية، وعدم الخوف من طرح أفكار غير مألوفة. وهذا ما ميّز كثيرًا من الكتّاب الكبار، الذين لم يكتفوا بوصف الواقع، بل أعادوا صياغته برؤى جديدة.
في المقابل، تمنح الطفولة الشقية الكاتب مادة عاطفية كثيفة. الحنين، الألم، الفقد، الفرح البسيط، كلها مشاعر تُختبر بحدة أكبر، فتترك أثرًا عميقًا. وعندما تُستعاد هذه المشاعر في النص، تصل إلى القارئ بصدق، لأنه يشعر أنها نابعة من تجربة حقيقية وليست مجرد تخيّل بارد.
خلاصة القول إن عبارة همنجواي لا تمجّد المعاناة بقدر ما تشير إلى قيمة التجربة في تشكيل الكاتب. فالطفولة الشقية، حين تترافق مع وعي لاحق وقدرة على التأمل، تتحول إلى مدرسة حقيقية، لا تُدرّس القواعد بقدر ما تُعلّم الحياة نفسها. وفي هذه المدرسة، يتعلم الكاتب أهم دروسه: أن يرى، وأن يشعر، وأن يحوّل كل ذلك إلى كلمات قادرة على البقاء.