فاطمة الجباري
ليس أشدّ الفقد أن يغيب وجهٌ نحبّه فقط... بل أن يغيب العمر نفسه، ونحن أحياء.
هناك نوعٌ آخر من الفقد، لا يُرى في مراسم العزاء، ولا تُرفع له رايات الحزن... فقدٌ يتسلّل بهدوء إلى سنوات الإنسان، يلتهمها عامًا بعد عام.
حتى إذا التفت صاحبها خلفه... لم يجد إلا انتظارًا طويلًا... ووعودًا مؤجلة... وعمرًا مضى.
هؤلاء هم المتعاقدون على البنود في وزارة التعليم... أولئك الذين لم يكونوا عابرين في الميدان، بل كانوا قلبه النابض في صمت.
دخلوا المهنة بحلمٍ بسيط: أن يكون لهم مكان، وأن يُحتسب جهدهم، وأن يُقال لهم يومًا: «لقد صبرتم... وهذا حقكم».
لكن الطريق لم يكن كما ظنّوا... كان طريقًا طويلًا من العقود المؤقتة، من الترقّب الذي لا ينتهي، ومن الأمل الذي يُؤجَّل كلما اقترب.
سنواتٌ تُسلَّم للوطن بكل إخلاص... حصص تُشرح، وقلوب تُربّى، وأجيال تُبنى... لكن في دفاتر القرار، كانت تلك السنوات أحيانًا تُكتب بقلمٍ باهت، كأنها لم تكن.
أيُّ وجعٍ هذا... أن تعمل وكأنك ثابت، وتُعطِي وكأنك مستقر، وتحلم وكأن الفرج قريب... ثم يُقال لك بعد كل هذا: «هذه السنوات... لا تُحتسب».
ليس الألم في القرار وحده، بل فيما يحمله من شعورٍ جارح... أن تعبك لم يُرَ كما يجب، وأن صبرك لم يُوزن بميزانه الحقيقي.
تخيّل أن ترى زملاءك يمضون، يترقّون، يستقرّون، تتشكّل حياتهم... وأنت ما زلت تقف في ذات النقطة، لا لأنك أقلّ عطاءً، بل لأنك كنت مؤقتاً... في نظامٍ لا يعترف بانتظارك.
ثم يأتي الفرج... بعد سنين. لكن أيّ فرجٍ هذا الذي يصل متأخرًا؟ حين يكون الشباب قد انحنى قليلًا، والقوة خفّ وهجها، والسنوات الجميلة التي كان يمكن أن تُبنى فيها الحياة... قد مضت.
هنا يتحوّل الفرح إلى شعورٍ مُربك... فرحٌ ناقص... كمن أُعطي حقه... بعد أن فقد القدرة على الاحتفاء به.
إن المتعاقدين لم يطلبوا المستحيل... لم يطلبوا إلا عدلًا يُنصف أعمارهم، ويعترف بأن الانتظار كان عملًا بحد ذاته، وأن الصبر كان جهدًا لا يقلّ عن الأداء.
فالعمر ليس رقمًا في الهوية، بل هو ما نُعطيه... وما يُؤخذ منا دون أن نشعر.
وفي قصة هؤلاء... لم يُفقد شخصٌ عزيز، بل فُقدت سنوات... وهذا، ربما، أشدّ الفقد.
ومع ذلك... يبقى في القلب متّسع للأمل، أن يأتي يومٌ تُردّ فيه الاعتبارات، وتُكتب فيه تلك السنوات كما كانت حقًا: سنوات عطاء... لا يجوز أن تُنسى..