هويدا المرشود
لم يَعُدِ القلقُ في زمانِنا هذا وليدَ حاجةٍ أو خوفٍ من مجهول، بل هو «قلقُ الاغتراب» عن جوهرِ الذات في فضاءٍ تلاشت فيه الحواجزُ بين الحقيقةِ والسراب. نحنُ اليومَ نعيشُ في زمنٍ أُعيدت فيه هندسةُ «الإنسان» عبرَ وسائطَ لا تطلبُ من المرءِ إلا استجابتَه، ولا من وعيِهِ إلا ما يخدمُ ضجيجَها، حتى صرنا نرى العالمَ من خلالِ ثقبٍ ضيقٍ لا يرينا إلا ما يُرادُ لنا أن نراه.
لقد كانت الحكمةُ قديماً تُستقى من «تماسِّ الروحِ بالواقع»؛ حيثُ المعرفةُ محفوفةٌ بالمشقة، والتجربةُ قائمةٌ على المعاناةِ المباشرةِ التي لا تقبلُ القسمةَ على اثنين. أما اليوم، فقد جُعلت المعرفةُ في متناولِ اليد، خفيفةً، سريعةً، ومنزوعةَ الروح. وبدلاً من أن نغرفَ من بحرِ البصيرة، صرنا نكتفي بقطراتٍ تتقاطرُ علينا من شاشاتٍ لا تُبقي في النفسِ أثراً، ولا في العقلِ عمقاً. إننا أمام «عصرِ التسطيح»، حيثُ الحقيقةُ مهددةٌ بالضياعِ في لجةِ التدفق، وحيثُ الفردُ -في سعيِهِ المحمومِ نحو الحضور- يغيبُ عن حضورِهِ الإنسانيِ الأصيل.
ما نُشاهده اليوم من اندفاعٍ جمعيّ نحو «النمطيةِ» ليس مجردَ تغيرٍ في السلوك، بل هو تحولٌ في «البنيةِ الشعورية». لقد استُبدلت الدهشةُ -التي هي أمُّ المعرفة- بـ«الاستهلاكِ الجاهز»، وأضحى الإنسانُ مُبرمجاً على تلقي المعنى لا إنتاجه. إنَّ أخطرَ ما أصابنا ليس غزوَ الآلة، بل استبطاننا لمنطقِها؛ فأصبحنا نُقيّمُ أنفسَنا بمعاييرِ «الصدى» و«الانتشار»، لا بمعاييرِ «الجوهر» و«الاستحقاق».
إنَّ استعادةَ الإنسانِ لذاتِه اليوم ليست دعوةً لنبذِ العصر، بل هي دعوةٌ لامتلاكِ «المسافةِ الفاصلة». أن تملك القدرةَ على أن تكونَ «خارجَ النطاق» عندما يطالبك الجميعُ بأن تكونَ «حاضراً» في ضجيجِهم. إنَّ أعتى المواقفِ الإنسانيةِ صموداً، هي تلك التي تُبنى على «الشكِّ في اليقينِ الجاهز»، وعلى التمسكِ بـ«الميثاقِ الغليظ» الذي يربطُ المرءَ بجذورهِ وقيمه، بعيداً عن صخبِ الميديا الذي يطحنُ الفروقَ بين الناس، ويجعلُ من الجميعِ نسخةً واحدة.
إنَّ «شيخوخةَ الفكر» في هذا العصرِ لا تعني ضعفَ العقل، بل تعني تحوّلَه إلى وعاءٍ يستقبلُ ولا يفرز.
ولن ننجو من هذا الغيابِ إلا إذا قررنا -بإرادةٍ حرةٍ ووعيٍ متقد- أن نخرجَ من «إمبراطوريةِ التلقي» لنبنيَ صرحَنا الخاصَ من التجربةِ والحسِّ والبصيرة. فالإنسانُ الذي لا يملكُ القدرةَ على أن يُفكرَ بمعزلٍ عن سياقِ الجموع، هو كائنٌ يعيشُ في الظل، يظنُّ أنه يرى، وهو في الحقيقةِ لا يرى إلا انعكاساتِ وهمِه.