صالح الشادي
«وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»
هذه الآية ليست مجرد خبر عابر، بل هي قانون كوني ثابت، وسنة إلهية نافذة منذ خلق الله السماوات والأرض. تأملتها طويلاً، وتأملت تاريخ البشرية الطويل المليء بالجبروت والطغيان، فلم أجد أمةً تسلطت أو قوةً بغت إلا وكان مصيرها محفوراً بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن يردعها الله بفعل من أفعال الطبيعة، زلازل تهدد عروشها، براكين تثور في وجه غطرستها، رياح عاتية تمحو أثرها، أو إغراق يلفح ذكراها؛ وإما أن يسلط عليها ظالماً آخر أشد منها بأساً، فيكون جزاءها من جنس عملها.
وهذه هي سنة الملة في الأمم: يمهل ولا يهمل. قد يمتد الأمد وتطول الغفلة، وقد يظن الظالمون أن الله نسي، لكن الموازين الإلهية لا تخطئ. الشعوب التي رزحت تحت نير الظلم والاضطهاد، والتي صبرت وابتليت، ثم صبرت، ثم لم تيأس من روح الله، تلك الشعوب وعدها الله بالنصر. نعرفه يقيناً، ليس تفاؤلاً عابراً، بل وعد قطعه على نفسه، والله لا يخلف الميعاد.
الحديث القدسي الشريف يقول: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا».. وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن نصرة المظلوم تملأ كتب السنة، منها قوله عليه الصلاة والسلام: «اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
ما أراه اليوم، وما أقرأه عن تاريخ الأمم الغابر منها والحاضر، أن دفع البشر بعضهم بعضاً، وتسلط الظالمين بعضهم على بعض، ليس مجرد صدف أو نتيجة حتمية لظروف اقتصادية أو سياسية.
إنه قدر إلهي، وإرادة ربانية، تتجاوز بكثير ما نحاول من تفسيرات آنية. الأسباب التي تتوالد لتشكل المواجهات بين الطغاة، كلها تجري بإذن الله ومشيئته. علمنا الإسلام أن لا شيء يحدث في هذا الكون إلا بإرادة الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» – صحح الحديث.
لكني أتساءل: لماذا انهمك الناس اليوم في التفسير والتحليل السياسي والاقتصادي لكل ما يحدث في هذا العالم، كأن الأحداث تسير بمعزل عن السماء؟ كأن الحروب التي تشتعل، والدماء التي تُراق، والمدن التي تُحاصر، كلها مجرد نتائج لميزان قوى وصراع مصالح؟ نعم، تلك الأسباب ظاهرة، لكن المؤمنين أيقنوا بأن الله لا يغيب عن تفصيل صغير ولا كبير. للأسف، لم نعد نرى ربطاً واضحاً بين ما يحدث على الأرض من أفراح وأتراح، وانتصارات وهزائم، وبين الإرادة الإلهية الحكيمة. الفصل تم بين «السياسة» و»القدر»، وكأن أحدهما لا يمس الآخر.
وهذه هي الحقيقة التي غفل عنها كثيرون: أن التاريخ لا يصنعه البشر وحدهم. البشر يتوهمون أنهم فاعلون، والله هو الفاعل الحقيقي. الظالمون يتوهمون أن قوتهم وجيوشهم وخططهم هي التي تحمي عروشهم، فلا يلبث أن يسلط الله عليهم من هو أظلم منهم، أو أن ترتجف الأرض من تحت أقدامهم. والمظلومون الذين صبروا واحتسبوا، قد يتأخر نصرهم ليوم الحساب أو يعجل في الدنيا، لكنه آتٍ لا محالة.
لذلك، أقول لكل من يعيش ظلماً في هذا العالم أو يرى ظلماً حوله: تمسك بالصبر، واعلم أن الله مع الصابرين. ولا تظن أن الطغيان سيخلد، فسنة الله في خلقه أسرع من أن تخدع. وكلما ضاق بك الأفق، تذكر قوله تعالى: «إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد».
هذه عقيدتنا، وهذا يقيننا. فليهدأ من خاف، وليتبصر من غفل، فإن الله بالمرصاد.