د. محمد بن أحمد غروي
في خضم التوترات المتصاعدة حول مضيق هرمز، وما يثار بشأن احتمالات الإغلاق أو فرض رسوم على حركة السفن، يتجه النظر شرقًا نحو مضيق ملقا، وهو أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام التجاري العالمي، غير أن المقارنة بين المضيقين، رغم وجاهتها الظاهرية، تكشف عند التدقيق عن تشابه في الأهمية، واختلاف في بنية الإدارة والتوازنات.
يقع مضيق ملقا في قلب جنوب شرق آسيا، ويمتد بطول يقارب ألف كيلومتر، رابطًا بين المحيطين الهندي والهادئ، ليشكّل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والبضائع، خصوصًا نحو الاقتصادات الصناعية الكبرى في شرق آسيا، وجعلت منه هذه الجغرافيا نقطة تنافس دولي، منذ السيطرة البرتغالية في القرن السادس عشر، وصولًا إلى موقعه الراهن كممر لا غنى عنه في سلاسل الإمداد العالمية.
لكن القيمة الاستراتيجية لمضيق ملقا لا تُختزل في كثافة العبور فقط، وإنما في كونه ممرًا متعدد السيادة، تشترك في إدارته إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ضمن منظومة قانونية تحكمها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتؤطرها مصالح اقتصادية متشابكة، وبحدّ هذا الإطار التشاركي من احتمالات الانفراد بالقرار، ويجعل أي محاولة لفرض رسوم أو تقييد المرور مسألة معقدة تتجاوز حدود الدولة الواحدة. في هذا السياق، برزت مؤخرًا إشارات إندونيسية حول إمكانية فرض رسوم على السفن العابرة، في محاولة لاستثمار أحد أكثر الممرات ازدحامًا عالميًا، إلا أن هذه الطروحات سرعان ما تراجعت، تحت ضغط الالتزامات القانونية الدولية، وبفعل التوازنات الإقليمية، فسنغافورة وماليزيا حيث عبّرتا بوضوح عن تمسكهما بحرية الملاحة، ورفض أي إجراءات أحادية قد تُقوّض استقرار الممر.
هنا تتضح نقطة الاختلاف الجوهرية مع مضيق هرمز؛ ففي حين يخضع الأخير لتجاذبات سياسية حادة، وتلوح فيه احتمالات الاستخدام كأداة ضغط جيوسياسي، فإن مضيق ملقا يُدار ضمن منطق التوافق الإقليمي، حيث ترتبط استدامة الممر بمصالح جماعية لا تحتمل المغامرة أو التصعيد.
من زاوية أخرى، يمثل مضيق ملقا عنصرًا محوريًا في الحسابات الاستراتيجية للصين، فيما يُعرف بـ»معضلة ملقا”، نظرًا لاعتمادها الكبير على هذا الممر في تأمين وارداتها من الطاقة، ويضع هذا الاعتماد المضيق في قلب التنافس الدولي، ويفتح الباب أمام سيناريوهات تتعلق بتأمين الممرات البحرية، أو حتى تعزيز الحضور العسكري في المنطقة، وهو ما قد يعيد تشكيل التوازنات في جنوب شرق آسيا على المدى البعيد.
ورغم استقرار العلاقات بين الدول المطلة على المضيق، فإن حساسية موقعه، وكثافة الاعتماد عليه، تجعل أي إشارات إلى فرض رسوم أو تعديل قواعد العبور محل قلق دولي واسع، فالمضائق البحرية، بطبيعتها، لا تتحمل القرارات الأحادية، لأن أثرها يتجاوز الجغرافيا المحلية ليطال الاقتصاد العالمي بأسره، وفي نهاية المطاف، تكشف المقارنة بين هرمز وملقا عن حقيقة أساسية، وهي أن أهمية الممرات البحرية تتبلور في طبيعة الحوكمة التي تديرها، وبينما يبقى هرمز ساحة مفتوحة للتجاذبات، يظل ملقا نموذجًا لإدارة التوازن، وإن كان ذلك لا يعفيه من ضغوط المستقبل وتعقيداته.