رسيني الرسيني
لم تعد تقارير الرؤية تتحدث فقط عن الطموحات المستقبلية بقدر ما أصبحت قراءة لواقع اقتصادي يتشكل أمامنا. فحين تشير البيانات إلى أن نحو 90% من مؤشرات الرؤية قد تحققت أو تجاوزت مستهدفاتها، فإن ذلك يعكس انتقالًا فعليًا من الرؤية إلى الواقع الذي نعيشه اليوم. هذا التحول لم يأتِ دفعة واحدة، بل عبر مسار تراكمي من خلال مرحلة أولى (2016م إلى 2020م) لوضع الأساسيات الداعمة مثل التشريعات والكيانات وإصلاحات اقتصادية واجتماعية، بينما استفادت المرحلة الثانية (2021م إلى 2025م) من نجاح المرحلة التي سبقتها لتستمر في تأسيس بعض الكيانات وإطلاق الإستراتيجيات الوطنية وتنفيذ المستهدفات.
يكشف التقرير السنوي للرؤية لعام 2025م حجم التحول الذي شهده الاقتصاد خلال المرحلة الثانية من تنفيذ الرؤية في عدد من المجالات فعلى سبيل المثال: بلغ الناتج المحلي 4.9 تريليون ريال مقارنة بحوالي 3.7 تريليون قبل إطلاق الرؤية، فيما ارتفعت أصول صندوق الاستثمارات العامة إلى 3.41 تريليون ريال مقابل 720 مليار سابقًا، أي ما يقارب خمسة أضعاف. كما قفز الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 133 مليار ريال بنمو يناهز خمسة أضعاف منذ 2016م، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص إلى 51% مقارنة بحوالي 40% سابقًا. وفي جانب التجارة، ارتفع مؤشر الصادرات غير النفطية إلى ما يزيد على 22% ولا يزال المستهدف أعلى من ذلك، فيما وصل عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 1.7 مليون منشأة، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل الرؤية.
هذه الأرقام لا ينبغي قراءتها بوصفها نموًا كميًا فقط، بل كإشارات على تغير بُنية الاقتصاد ذاته، إذ إن تضاعف الناتج المحلي لا يعكس فقط توسع النشاط، وإنما تحسن كفاءة توزيع الموارد واتساع قاعدة القطاعات المساهمة في النمو. كما أن نمو أصول صندوق الاستثمارات العامة يعكس توسع دور الدولة من المنظم فقط إلى دور المستثمر الإستراتيجي عالميًا. أما ارتفاع الاستثمار الأجنبي ومساهمة القطاع الخاص، فيشير إلى تحسن بيئة الأعمال وثقة المستثمرين. وفي المقابل، فإن نمو الصادرات غير النفطية وتوسع المنشآت الصغيرة والمتوسطة يعكسان بداية تشكل اقتصاد إنتاجي أكثر تنوعًا، وهو ما يمثل جوهر التحول الذي استهدفته الرؤية منذ انطلاقها.
ومع أهمية هذه الإنجازات الرقمية، فإن التحول الأعمق والأكثر استدامة يتمثل في تغير «العقل الاقتصادي» داخل المملكة. فقد أعادت الرؤية تشكيل طريقة التفكير في العمل الحكومي والخاص من التفكير قصير الأجل إلى بناء قيمة طويلة الأمد، ومن النتائج السريعة إلى الاستدامة. هذا التحول انعكس على بيئة العمل، حيث أصبح الأداء يقاس بمؤشرات واضحة وأصبحت المبادرة والابتكار جزءًا من الثقافة المؤسسية. وفي المدى الطويل، لا تقل هذه التحولات الفكرية أهمية عن الأرقام نفسها، لأنها تمثل الأساس الحقيقي لاستدامة النمو، وضمان استمرار الزخم الاقتصادي لما بعد 2030م.
حسنًا، ثم ماذا؟
أدعو القارئ الكريم لقراءة مقالة سابقة لي بعنوان: «المرحلة الأخيرة لتنفيذ الرؤية» إذ تدخل المملكة هذه المرحلة من 2026م إلى 2030م والتي تهدف إلى ترسيخ مكتسبات التحول وضمان استدامتها للأجيال القادمة، وهو الواقع الذي نعيشه ولله الحمد.