م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1- لكل فرد أو أسرة أو مجتمع، ولكل قرية أو مدينة أو منطقة، ولكل جبل أو سهل أو ساحل، لكل شيء في بلادنا قصة فيها معاناة ولها إضافة تؤدي إلى معنى.. تلك حالة تنطبق على كل الكائنات في كل الأماكن وعبر كل الأزمان، وليست خاصة بأحد دون أحد، لكن كيفية روايتها وتقديمها للعالم رفعت من قيمة البعض وقللت من البعض الآخر.. من هنا تأتي أهمية أن نروي قصتنا كما نراها، ونريد العالم من حولنا أن يراها.
2- أمامنا مناسبة وطنية عظيمة بقي أقل من عام على حلول موعد الاحتفال بها، فهل يكفي الوقت المتبقي لصياغة قصتنا الوطنية الكبرى التي تقدمنا للعالم من خلال تحديد: من نحن؟ وإلى أين نحن سائرون؟ تقديم كيف كانت الجزيرة العربية منذ ألف سنة، حيث التصحر القاسي، والتنافر القبلي والمناطقي، فكل قبيلة وكل قرية هي مكونات مستقلة بذاتها، تحمي مجالها، وليس لها علاقة بما حولها سوى علاقة العداء والخوف والشك والطمع.. ثم كيف قامت تلك الدولة، وكيف رضيت كل القبائل التي قضت ألف عام من الاقتتال فيما بينها على الانضواء تحت لوائها، وكيف رضيت كل القرى -حيث لا وجود لمدن في ظل التصحر وعدم الاستقرار- على الانضمام لتلك الدولة الفتية التي ضمنت الاستقرار فحل الأمن، وانتشرت التنمية؟
3- السردية السعودية هي قصة انطلقت بالتوحيد، وارتكزت على الدين، وحققت الاستقرار، وحفزَّت التنمية، وانطلقت نحو المستقبل.. واجهت تحدي الفرقة والتناحر بين مكوناتها، كما واجهت البيئة الصحراوية الساحقة لأي نوع من الحياة، والبيئة المجتمعية الصعبة الطاردة لأبنائها، والبيئة الاتصالية العدائية بين مكوناتها، القائمة على الثأر والصراع على الموارد الشحيحة، وفقدان الأمن التام، والبيئة المعيشية القاسية حيث يتضافر ثلاثي الفقر والجهل والمرض على تهديم كيان الأسرة الواحدة.. كل تلك الظروف شكلت ثقافة جعلت من الغزو وقطع الطرق شجاعة ورجولة وسطوة، وجعلت من الهجرة حلما.. فكان التوحيد تحت ظل حكم واحد أمراً معجزاً لا يحققه إلا قائد معجزة.
4- فعلاً، كان توحيد الجزيرة العربية تحت كل تلك الظروف وطبيعة الحياة والعادات والتقاليد التي تشكلت نتيجة لها أمرا معجزا، فكيف تحققت تلك المعجزة؟ يرى المؤرخون أن ذلك تحقق بسبب توفر ثلاثة عوامل: الأول الاقتناع بالقائد، والثاني رؤية المصلحة في الانضمام لها لا مقاومتها، والثالث القوة، فلا طاقة لقبيلة واحدة على مواجهتها، ولم يكن أمراً ممكناً تحالف القبائل لما بينها من ثارات يلغي أي إمكانية للتحالف.. لذلك رأت القبائل في الانضمام تحت لواء أمراء الدولة السعودية عامة ولواء الملك عبدالعزيز خاصة مصلحة مشتركة لا خضوع.
5- في سرديتنا الوطنية، نريد أن نروي قصتنا لأنفسنا أولاً، ثم للعالم من حولنا.. نبدأ بالتعريف من أين اتينا، وما هي أخلاقنا وقيمنا، وبعدها نتجه بسرديتنا إلى المستقبل، إلى ما نعمله اليوم لنحصده غداً.. وما الذي نريده لأنفسنا وللعالم من حولنا؟ نريد أن نقول إننا أقمنا دولتنا من الصفر، وإننا اليوم نمثل أعظم قصة نجاح في هذا القرن، وإننا مصدر استقرار في منطقة مضطربة، وإننا أصحاب هوية راسخة ممتدة منذ الرسالة المحمدية.. نريد أن نقول إن إنساننا اليوم مواطن عالمي، وإن اقتصادنا متنوع ومتجذر في كل مفاصل اقتصادات العالم، وإن حضورنا عالمي التأثير في كل مجالات الحياة، وإن دورنا يتجاوز المحلية والإقليمية إلى العالمية.. نريد أن نقول إن حداثتنا لم تفقدنا أصالتنا، وإن ماضينا وحدة، وإن حاضرنا استقرار، وإن مستقبلنا طموح، وإن رؤيتنا التي نمشي وفق مستهدفاتها تفضي إلى وطن طموح ينعم باقتصاد مزدهر يقوده مجتمع حيوي.
6- السردية السعودية ليست مجرد قصة تاريخية، بل هي إطار يفسر الحاضر ويستشرف المستقبل.