طراد بن سعيد العمري
إيقاف خاصية «الدعم» ليس قراراً تقنيًا عابراً، بل لحظة اعتراف متأخرة بأن ما جرى في وسائل التواصل لم يعد مجرد فوضى محتوى، بل تحول عميق في بنية الإنسان نفسه.
نحن لا نعيش عصر منصات، بل عصر تُعاد فيه صياغة النفس وفق منطق السوق، حيث لم يعد الإنسان يُقاس بما يفهم أو بما يضيف، بل بما يجذب، ولم يعد يُسمع لأنه يقول شيئًا، بل لأنه قادر على تحويل الانتباه إلى عائد. في هذه اللحظة تحديدا ظهرت خاصية «الدعم» بوصفها أخطر نقطة انزلاق، لأنها لم تكتف بتشجيع التفاعل، بل ربطت هذا التفاعل مباشرة بالمال، فحولت التعبير إلى صفقة، والحضور إلى عرض، والإنسان إلى مشروع استثماري لنفسه.
هنا لا يعود الحديث عن «محتوى ضعيف» أو «سلوكيات سلبية»، بل عن إعادة تشكيل تدريجية للنفس البشرية، حيث يتعلم الفرد أن قيمته لا تُبنى، بل تُقاس لحظيًا بما يحصل عليه من دعم. ومع هذا التحول، يتغير السؤال الداخلي من «هل ما أقدمه صحيح أو مهم؟» إلى «هل هذا يُكافأ؟»، وهي نقلة تبدو بسيطة ظاهريًا لكنها في الحقيقة تفكك البنية الأخلاقية للإنسان، لأن معيار القيمة لم يعد مرتبطا بالحقيقة أو المعنى، بل بقدرة المحتوى على .إثارة الانتباه وتحويله إلى مكسب.
في هذا السياق، لا يمكن فهم الإدمان بوصفه ضعفًا فرديًا، بل بوصفه نتيجة مباشرة لتصميم نفسي محكم، حيث تتقاطع آليات الانتباه مع الحوافز المالية لتنتج دائرة مغلقة تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. الإنسان هنا لا يدخل المنصة ليعبّر، بل ليحصل على استجابة، ثم ليحصل على مقابل، ثم ليعيد إنتاج نفسه بشكل أكثر توافقًا مع ما يُكافأ، حتى يصل تدريجيًا إلى نقطة لا يعود فيها قادرا على التمييز بين ما هو حقيقي فيه وما هو مصنّع لأجل الجمهور.
الإدمان في هذه الحالة لا يكون على المنصة فقط، بل على الإحساس الناتجي عن التقدير المدفوع، وهو إحساس زائف لكنه شديد الفاعلية، لأنه يلامس .حاجة عميقة في النفس للقبول والاعتراف.
ومع ترسخ هذه الآلية، تظهر النماذج المزيفة لا بوصفها حالات شاذة، بل بوصفها نتيجة منطقية لبيئة تُكافئ الإثارة. في مثل هذه البيئة، لا تنجح الحقيقة لأنها بطيئة، ولا ينجح العمق لأنه يتطلب جهدا، بل ينجح ما يختصر الطريق إلى الانتباه، حتى لو كان ذلك عبر المبالغة أو التزييف أو استغلال الجسد والانفعال.
وهنا لا تكمن الخطورة في وجود هذه النماذج بحد ذاتها، بل في تحوّلها إلى مرجعيات، حيث يبدأ الآخرون- خصوصا الأصغر سنًا- في تقليدها، لا لأنها صحيحة، بل لأنها مربحة، ومع الوقت لا يعود المجتمع يميّز بين ما هو حقيقي وما هو مُصمم، لأن كليهما يُعرض بنفس الطريقة ويُكافأ بنفس الآلية.
من هنا تتضح أهمية إيقاف خاصية «الدعم»، ليس لأنه سيُنهي المشكلة، بل لأنه يضرب أحد أهم جذورها: ربط القيمة بالمال الفوري. حين يُفصل هذا الرابط، تُعاد صياغة الحوافز بشكل تلقائي، فيفقد المحتوى السطحي جزءا من جاذبيته لأنه لم يعد يُترجم مباشرة إلى عائد، بينما يُجبر صانع المحتوى -حتى لو على مضض-على التفكير في الاستمرارية لا في الضربة السريعة. هذا التحول، وإن كان جزئيًا، يفتح الباب لعودة معيار مختلف، حيث لا يُكافأ فقط ما يُثير، بل ما يستطيع أن يُبقي الجمهور دون إغراء مالي مباشر.
وفي هذا السياق، يمكن فهم القرار كخطوة تُسهم في تقليل تسليع الذات، لأن الإنسان حين لا يجد مقابلا مباشرا لكل عرض يقدّمه، يفقد تدريجيًا الدافع لتحويل حياته إلى مادة للبيع، ويستعيد جزءا من المسافة بينه وبين صورته المعروضة. كما أن فك الارتباط بين التفاعل والدخل يُخفف من الضغط النفسي المستمر الذي يدفع الأفراد إلى مراقبة أنفسهم وأدائهم بشكل مرضي، وهو ما قد ينعكس -ولو جزئيًا- في تقليل حدة الإدمان المرتبط بالمكافأة الفورية.
الأثر لا يقف عند الفرد، بل يمتد إلى بنية المحتوى نفسها، حيث يُتوقع أن يتراجع -نسبيًا لا كليًا- ذلك النوع من المحتوى الذي يعتمد على الإثارة السريعة، لأنه فقد أحد أهم مصادر تغذيته، بينما تزداد فرصة بروز محتوى أكثر هدوءاً وعمقًا، حتى لو كان ذلك ببطء. كما أن غياب الحافز المالي المباشر يُقلل من جاذبية النموذج السهل للنجاح، وهو ما يحد -خاصة لدى الفئات الأصغر سنًا- من الانجذاب إلى مسارات قائمة على الظهور السريع بدل البناء الحقيقي.
ومع ذلك، فإن التعويل على هذا القرار وحده يحمل قدرا من الوهم، لأن المشكلة لا تختزل في خاصية واحدة، بل في بنية أعمق تتعلق بالنفس البشرية نفسها، التي تبحث عن التقدير بأي وسيلة، حتى لو كان زائفًا. الإدمان قد يستمر بأشكال أخرى، والنماذج المزيفة قد تتكيف عبر قنوات مختلفة، والسوق سيجد دائماً طريقة لإعادة إنتاج نفسه، لأن الطلب لم يتغير، بل فقد إحدى أدوات تلبيته. وهذا يعيدنا إلى النقطة الأكثر إزعاجا في هذا النقاش، وهي أن المنصات لم تخلق المشكلة من العدم، بل كشفت استعدادا موجودا أصلا داخل الإنسان، واستثمرت فيه.
من هنا، فإن إيقاف «الدعم» لا يجب أن يُفهم كمعركة ضد منصة، بل كجزء من مواجهة أوسع مع النفس ذاتها، مع رغبتها في القبول، وخوفها من التلاشي، واستعدادها لأن تختزل نفسها في صورة قابلة للبيع.
والسؤال الحقيقي الذي يظل معلقًا بعد كل ذلك ليس ما إذا كان القرار صحيحا أو لا، بل ما إذا كنا مستعدين فعلا لمواجهة جذور المشكلة، أم أننا نكتفي بإزالة أكثر مظاهرها وضوحا، بينما نترك البنية التي أنتجتها تعمل في الخفاء، لتعيد إنتاج نفس الأزمة بأدوات أكثر ذكاء وأقل صراحة.