فائز بن سلمان الحمدي
ما أشدَّ خِفَّةَ الوهمِ حين يستقرُّ في القلبِ حتى يغدو يقينًا لا يُناقَش، وما أدهى تلك اللحظةَ التي يتوَّجُ فيها الإنسانُ نفسَه -في غفلةٍ منه- معيارًا خفيًّا للأشياء؛ يقيسُ به الناس، ويَزِنُ به القلوب، ويُقوِّمُ به المشاعر، ثم لا يرتابُ في حكمٍ، ولا يتَّهمُ ميزانًا. ليس لأنك أعلنتَ ذلك... بل لأنك عِشتَه. عِشتَ تُصنِّف: هذا وفيٌّ لأنه يُشبهني، وهذا مُقصِّرٌ لأنه لا يُجيد طريقتي، وهذا باردٌ لأنه لا يتكلّمُ بلغتي، وهذا بعيدٌ لأنه لم يَسِرْ على خُطاي؛ حتى غدوت -من حيث لا تشعر- لا ترى الناسَ كما هم، بل كما ينبغي أن يكونوا في عالمك أنت. وهنا... ينكسر العدلُ دون صوت. لأنك لا تُخطئ في الحكم فحسب، بل تُخطئ في الرؤية أصلًا؛ أنت لا ترى إنسانًا... بل ترى احتمالًا ناقصًا منك، ولا تقرأ روحًا... بل تقيسُ المسافةَ بينها وبينك. وأيُّ ظلمٍ أبلغُ من أن يُطالَب المرءُ أن يُشبه غيرَه ليُقبَل؟
أيُّ جرأةٍ هذه التي تجعلُ القلبَ يظنُّ أن تجربتَه هي المقياس، وأن لغتَه في الحب هي الصواب، وأن طريقتَه في التعبير هي الأكمل؟
وأيُّ غفلةٍ تُغري الإنسانَ أن يرفعَ ذاتَه إلى مقام الأصل، ثم يُنزِل الخلقَ جميعًا إلى مقام النُّسَخ، وقد قال ربُّك: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) لو فتحتَ كتابَ نفسك حقًّا لأبصرتَ ما يكفيك تواضعًا؛ ستجد أنك لم تكن يومًا نسخةً ثابتةً حتى من ذاتك؛ تقلَّبتَ، وتبدَّلتَ، وناقضتَ نفسَك، وعدلتَ عن قناعات، واحتجتَ زمنًا طويلًا لتفهم ما كنتَ تجهله عنك. فكيف -وبأيِّ منطقٍ خفي- تطلب من الآخرين أن يثبتوا على هيئةٍ اخترعتَها أنت، والله يقول: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ).
إن في كلِّ إنسانٍ عالمًا لا يُرى، وتاريخًا لا يُروى، وطبقاتٍ من الشعور لا يُدركها نظرٌ عابر؛ هذا الذي تراه صامتًا لعلَّ صمتَه لغةٌ لم تتعلّمها، وذاك الذي تحسبه باردًا لعلَّه أنهك من حرارةٍ لم تشهدها، وآخرُ تظنّه مُقصِّرًا لعلَّه يُقاتل بما بقي فيه من قوّة، والله يقول: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). حين تُسارع بالحكم لا تختصر الطريق... بل تختصر الإنسان، وتخوض فيما نُهيتَ عنه: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ).
وهذا هو الجهل في أرقى صوره: أن تظنَّ أنك فهمت... وأنت لم تبدأ بعد. وكم من حكمٍ بنيتَه على ظنٍّ، وقد حذّرك نبيُّك صلى الله عليه وسلم فقال: «إيّاكم والظنَّ، فإن الظنَّ أكذبُ الحديث».
وكم من قلبٍ أُسيءَ فهمُه لأنه لم يُحسن التعبير، وكم من روحٍ وُضِعت في خانة النقص لأنها لم تُتقن أداءَ الدور الذي تتقنه أنت، وكم من علاقةٍ انكسرت، لا لأن الحبَّ غاب... بل لأن الفهمَ تأخَّر. ليست المشكلة في اختلاف الناس، بل في ضيق الصدر عن اختلافهم؛ ولو اتَّسع صدرك لاتَّسع العالم. وقد خلقكم الله مختلفين، لا لتتشابهوا، بل (لِتَعَارَفُوا)؛ لا لتقيسوا بعضكم على بعض، ولا لتختزلوا القلوب في قوالبكم الضيّقة. النضج ليس أن تعثر على من يُشبهك فذلك يسير بل إن تقف أمام من لا يُشبهك دون أن تضيق، دون أن تُقارن، دون أن تُسارع إلى حكمٍ يُغلق باب الفهم. وأن تُدرك أن الميزان ليس ما تستحسنه أنت، بل ما يعلمه الله من القلوب؛ فقد قال نبيُّك صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وأن الإنسان لا يُطالَب أن يكون مرآتك، بل أن يكون نفسَه. حينها فقط يتغيّر كلُّ شيء؛ لا تعود ترى الاختلاف خللًا، بل نظامًا آخر له منطقه وجماله وحكمته، ولا تعود تنتظر أن يُفهمك الآخر كما تفهم نفسك، بل تتعلّم أن تقترب منه كما هو... وهنا يبدأ الاتزان، لا في الناس، بل فيك. فانهض من هذا الوهم الذي طال مكثُه فيك، واكسر هذا العرشَ الخفيَّ الذي نصَّبتَ عليه نفسَك معيارًا، ثم شكوتَ من قِصَر الآخرين. وتذكّر أن الله أمرك بالعدل لا بالهوى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ). لن تتطابق القلوب معك، ولن تُخلق الأرواح على مقاسك، ولن تنضبط الحياة على إيقاعك وحدك... فاهدأ، وخفّف عن قلبك هذا الطغيانَ الناعم -طغيان أن يكون كلُّ شيء كما تريد- ودع الناس يكونون كما هم، لا كما تشتهيهم.
وتذكّر -واجعلها حقيقةً لا تهتزُّ فيك- أنك كلما اختصرتَ الناس إلى صورتك فقدتَ قدرتك على رؤيتهم، وكلما أصررتَ أن يكونوا نسخًا منك ازددتَ وحدةً بينهم. فإن أردتَ سلامًا لا يتشقّق، وقلبًا لا يضيق، ونظرًا لا يزلّ... فاترك للناس مساحتهم، واترك لنفسك تواضعها.
ثم انتبه... انتباهًا لا يُبقي فيك موضعًا للغفلة:
ليس لأنهم خالفوك كانوا مخطئين، ولا لأنك وافقتَ نفسك كنتَ مصيبًا... بل لأنك -من حيث لا تشعر- كنتَ تُعبدُ رأيك، وتُقيمُ ذاتك مقامَ الميزان، وتُحاكمُ الخلقَ إلى هوى لبس ثوبَ اليقين. الحقيقة التي لا ترحمك:
أنك حين جعلتَ نفسَك معيارًا... سقطتَ عن الحق، وحين ظننتَ أنك تُبصر الناس... كنتَ أعمى عنهم، وحين حسبتَ أنك تُقيم العدل... كنتَ أوّل من ظلم. فاستيقظ -لا بل انخلع من هذا الوهم انخلاعًا- قبل أن تُوقَف بين يدي من لا تخفى عليه خافية؛ هناك... حيث لا تُجديك فصاحتك، ولا تُنقذك تأويلاتك، ولا يُسمع لك عذر، هناك... حيث تُعرَض القلوب كما هي، لا كما زعمتَ أنها. هناك ستعلم -علمًا لا يحتمل التأجيل- أنك لم تكن تَزِن الناس... بل كنتَ تَزِنهم بنفسٍ مائلة، ولم تكن ترى الحق... بل كنتَ ترى انعكاسك فيه، ولم تكن تطلب الصواب... بل كنتَ تطلب أن ينتصر لك.
فأيُّ خيبةٍ هذه... أن تقضي عمرك تُقوِّم الناس، ثم تُفاجأ في اللحظة التي لا تُمهل أنك كنتَ أحوجَهم إلى التقويم؟ وأيُّ فقرٍ هذا... أن تملأ عينيك بعيوب الخلق، ثم تقف بقلبٍ لم يتّسع لواحدٍ منهم؟ وأيُّ سقوطٍ أبلغ... من أن تُحاكم الناس إلى نفسك، ثم تُحاكم نفسُك إلى الحق... فتسقط؟ فانزع هذا التاج قبل أن يُنزع منك، واكسر هذا الميزان قبل أن يُكسر عليك.
وتواضع... قبل أن تُرَدَّ إلى حجمك ردًّا لا اختيار فيه. فالناس ليسوا نسخةً منك... وأنت -إن بقيتَ على هذا الوهم- لستَ كما تظنّ نفسك.