عبد الله سليمان الطليان
إن اضطراب ما بعد الصدمة يحمل أثرا عميقا على النفس في التفاعل قد يمتد مع عمر الشخص إذا لم يكن هناك إمكانية في معالجته والتخلص منه بالمعالجة النفسية بالقول والسلوك الصحيح. تختلف الصدمات التي يتعرض لها الأشخاص في مراحل متعددة من حياتهم وبعضها يكون قوياً في الأثر يوجد صعوبة في التخلص منه ولكن المعالجة الجادة والمكثفة يمكن التخفيف من اضطراب ما بعد الصدمة. يقول الدكتور (سبنسر ايث) طبيب الأطفال النفساني المتخصص في مرض (اضطراب ما بعد الصدمة). إن لب مثل هذه الصدمة يتمثل في ذكريات الحدث الرئيس التي تعرض نفسها على الناس مثل الضربة القاضية وانغماس السكين في الجسم أو صوت انطلاق البندقية، حيث يظل المشهد والصوت ورائحة البارود وصرخات الضحايا، أو الصمت المفاجئ وتدفق الدم وأصوات سيارات الشرطة، نظل جميعها حاضرة في الإدراك الحسي. ويقول علماء الأعصاب عن تلك اللحظات المفزعة، إنها ذكريات تلهب الدائرة العصبية المسؤولة عن الانفعالات. وتمثل في الواقع علامات على دورة إثارة (الأميجدالا وهي للوزة الدماغية هيكل لوزي الشكل يقع داخل الفص الصدغي في المخ، وتعد جزءًا رئيسًا من الجهاز الحوفي المسؤول عن المعالجة العاطفية)، فتدفع ذكريات لحظة الصدمة التي ما زالت باقية. للاستمرار واقتحام الوعي. ومن ثم تصبح ذكريات الصدمة مثل زناد مدفع معد لإطلاق النار، وعلى استعداد لإطلاق صفارة إنذار في أقل من لمحة إشارة إلى أن اللحظة المفزعة على وشك الحدوث مرة ثانية. وهذه الظاهرة سمة مميزة لجميع الصدمات العاطفية، بما فيها المعاناة المتكررة من الإيذاء الجسدي في مرحلة الطفولة.
ويمكن لأي حادثة تسبب صدمة ما أن تغرس في (الأميجدالا) الذكريات المثيرة مثل اشتعال حريق، أو حادثة سيارة، أو كارثة طبيعية (زلزال أو إعصار)، أو اغتصاب. أو ما شابه ذلك، ويقاسي كل عام مئات الألوف من الناس من هذه الكوارث ويخرج الكثيرون أو معظمهم من الصدمات بجروح عاطفية تترك بصماتها على المخ.
والواقع أن أعمال العنف أكثر إيذاء من الكوارث الطبيعية، فضحايا العنف يشعرون - خلافاً لضحايا الكوارث الطبيعية - أنهم قد اختيروا بالذات عن عمد كهدف التعاسة. هذا الواقع بنشر تصورات حول الثقة بالناس وحول الأمان في العلاقات الشخصية بين البشر، تصورات لا علاقة للكوارث بها، وبالتالي تصبح دنيا الحياة الاجتماعية موطنا للخطر يمثل الناس فيه عناصر تهديد كامنة ضد سلامتك. وتترك الأعمال الهمجية التي يرتكبها البشر ذكريات لا تنمحي لدى ضحاياها تجعلهم ينظرون بخوف إلى أي شيء يشبه ولو شبها طفيفا الأعمال التي تسببت في الصدمة نفسها، فإذا ضرب رجل على رأسه من الخلف دون أن يرى مهاجمه، يظل شديد الفزع بعد ذلك حتى أنه إذا سار في الطريق يحاول السير أمام سيدة عجوز لكي يشعر بالأمان، خشية أن يضرب على رأسه مرة أخرى دخلت امرأة مرة مصعداً، دخل معها رجل هددها بمطواة وأجبرها على الخروج منه إلى طابق غير مسكون من المبنى.... ظلت هذه المرأة في حالة خوف ليس فقط من استخدام المساعد، بل أيضا من أي طريق جانبي أو أي مكان مغلق يمكن أن تصطاد فيه، اندفعت هذه المرأة تجري خارجة من مكتبها، عندما رأت رجلاً يضع يده في جيبه. فعل السارق تماماً. كما قد يستمر الفزع وما ينتج عنه من إفراط في الحذر في ذاكرة الإنسان طوال حياته ويظل ملازماً له.