د. الجوهرة بنت فهد الزامل
مع صدور التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025، تكتمل تسع سنوات على إطلاق الرؤية التي أرسى مستهدفاتها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله، بوصفها إطاراً شاملاً للتحول الوطني. وتدخل المملكة اليوم مرحلتها الثالثة والأخيرة (2026-2030)، مرحلة تعميق الأثر واستدامته.
لا يُعد هذا التقرير مجرد حصيلة إحصائية، بل شهادة حية على تحول نوعي في نمط التفكير التنموي السعودي. إنه يعكس انتقالاً تدريجياً وواعياً من التركيز على كفاءة التنفيذ إلى التركيز على جودة الأثر الاجتماعي والمؤسسي، وهو تحول يضع السياسات العامة أمام اختبار أعمق يتعلق بقدرتها على الاستدامة والتكيف مع المتغيرات، مع الحفاظ على التوازن والتماسك الاجتماعي.
وفق التقرير نفسه، حققت 93 % من مؤشرات الأداء للبرامج والاستراتيجيات الوطنية مستهدفاتها المرحلية أو تجاوزتها، فيما سارت نحو 90 % من المبادرات النشطة على المسار الصحيح أو اكتملت. هذه الأرقام تعكس أكثر من مجرد نجاح تنفيذي؛ إنها تعبر عن إعادة صياغة علاقة المجتمع بالدولة، وعلاقة الفرد بفرص التنمية في مجتمعنا.
وهو ما يطرح تساؤلاً بناءً حول كيفية ترجمة هذا التحول إلى أنماط أكثر استدامة من المشاركة والمسؤولية المجتمعية في المرحلة القادمة، ويتجلى ذلك في انتقال الرؤية من مرحلة بناء الأسس إلى مرحلة تعظيم الأثر الاجتماعي المستدام، بما يحافظ على أصالتنا وقيمنا الإسلامية والأسرية كركيزة أساسية.
فقد ركزت الرؤية في مرحلتيها الأولى والثانية على بناء الأسس: إصلاحات مالية واقتصادية، تطوير التشريعات، وفتح قطاعات جديدة. أما المرحلة الثالثة (2026-2030) فتمثل انتقالاً نوعياً نحو تعميق الأثر واستدامته. لم تعد الرؤية مجرد خطط قطاعية، بل أصبحت مشروعاً اجتماعياً شاملاً يعيد تشكيل هوية المجتمع ونمط حياته اليومي. وهو تحول يفرض بالضرورة إعادة مواءمة مستمرة بين سرعة التغيير المؤسسي وقدرة البنية الاجتماعية على استيعابه، بما يضمن أن يبقى التطور متدرجاً ومتوازناً.
يظهر ذلك بوضوح في مؤشرات التمكين الاجتماعي التي شهدها مجتمعنا. فقد بلغت مشاركة المرأة في سوق العمل نحو 35% في عام 2025 وفق التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030، وهو ما يعكس تقدماً ملموساً تجاوز المستهدف الأصلي (30 %)، ويقترب من المستهدف المحدث البالغ 40 % بحلول 2030.
ولا يُنظر إلى هذا الارتفاع بوصفه مجرد رقم إحصائي، بل باعتباره تحولاً اجتماعياً حقيقياً في بنية مجتمعنا، يسهم في زيادة الدخل الأسري، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي للمرأة، وإعادة توازن تدريجي في توزيع الأدوار داخل الأسرة، مع الحفاظ على القيم الأسرية والدينية كركيزة أساسية لتماسكنا الاجتماعي.
ويفتح هذا التقدم المجال أمام تطوير سياسات مساندة أكثر استدامة، مثل بيئات العمل المرنة وخدمات دعم الأسرة، بما يعزز التوازن بين الأدوار الاقتصادية والاجتماعية، ويضمن استمرارية الأثر الإيجابي على المدى الطويل.
وفي سياق متصل، شهدت معدلات البطالة بين السعوديين تحسناً تدريجياً، فيما ارتفع معدل التطوع في المجتمع متجاوزاً المستهدف البالغ مليون متطوع. وتسهم هذه التغيرات في تشكيل ديناميكية اجتماعية جديدة، ينشأ فيها جيل يمتلك خيارات أوسع بين التراث والحداثة، وبين القيم التقليدية والفرص المتاحة. كما ارتفع النشاط البدني للبالغين إلى 59.1 %، وازداد متوسط العمر المتوقع، مما يعكس استثماراً متنامياً في رأس المال البشري كمحور رئيسي للتنمية المستدامة التي تحافظ على هويتنا وتعزز جودة الحياة في مجتمعنا.
وفي البعد الاقتصادي الذي يعكس تنويعاً مستداماً، بلغ إجمالي عدد السياح (محليين ودوليين) 123 مليون زائر بنهاية عام 2025، فيما سُجلت ثمانية مواقع سعودية في قائمة التراث العالمي لليونسكو، وفق التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030.
يُظهر هذا التقدم انتقال قطاع السياحة من الاعتماد على النمو العددي إلى دوره كأداة ثقافية واجتماعية فاعلة، تسهم في إعادة تشكيل صورة المكان، وتعزيز الانتماء المحلي، وتعريف العالم بتراثنا الأصيل وهويتنا الإسلامية والحضارية، مع الحفاظ على قيمنا وأصالتنا.
يتزامن ذلك مع نمو ملحوظ في الصادرات غير النفطية، وازدياد دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي ساهمت في توفير ملايين الفرص الوظيفية، مما يعكس اتساع قاعدة التنويع الاقتصادي وتعزيز مشاركة القطاع الخاص كشريك أساسي في منظومة التنمية الوطنية المستدامة.
يتمثل البعد الأعمق للرؤية في تأثيرها الاجتماعي على هويتنا وتماسك مجتمعنا. تنفذ المملكة تحولاً حضارياً يوازن بين الانفتاح على الثقافات العالمية والحفاظ على الأصالة الإسلامية والتراثية. فالانفتاح من خلال السياحة والفعاليات لا يأتي على حساب هويتنا، بل يعززها عبر تسجيل المواقع التاريخية ودمج التراث في مشاريع التنمية.
يشكل هذا التداخل بين الحداثة والأصالة عملية ديناميكية متدرجة تتطلب إدارة واعية تضمن استمرار التماسك الاجتماعي وتعزيزه. ويجد الشباب وهم الغالبية في هذا التحول مساحة أوسع للإبداع والمبادرة، بعيداً عن أي شعور بالاغتراب بين التقاليد والحداثة. كما يسهم تمكين المرأة وتوسيع خيارات الترفيه في بناء مجتمع أكثر مرونة وإنتاجية، مع الحفاظ على القيم الأسرية والدينية كركيزة أساسية لا تتزعزع.
ويظل ضمان الشمول الجغرافي والاجتماعي أولوية مستمرة، بما يعزز التوازن في وتيرة التحول بين المناطق والفئات كافة، ويقوي الشعور بالمشاركة الوطنية الواسعة.
المرحلة الثالثة: استدامة المكتسبات ومواجهة التحديات المستقبلية
في المرحلة الثالثة (2026-2030)، ينتقل التركيز من تحقيق المستهدفات إلى تعظيم الأثر واستدامته. لم تعد الرؤية مجرد خطط قطاعية، بل أصبحت مشروعاً اجتماعياً شاملاً يعيد تشكيل هوية المجتمع ونمط حياته اليومي. يتطلب ذلك تكيفاً مؤسسياً يعزز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو، ويدمج الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في مختلف القطاعات، مع الاستعداد للتحديات البيئية والاقتصادية العالمية، كل ذلك مع الحفاظ على الاستقرار المؤسسي والتماسك الاجتماعي.
من منظور اجتماعي، يأتي بناء ثقافة الرؤية داخل المؤسسات والأسر على رأس الأولويات، حتى تصبح قيماً متجذرة في نسيج المجتمع. ويتوازى ذلك مع تطوير منظومة قياس شاملة ترصد جودة الحياة ومستوى التماسك الاجتماعي إلى جانب المؤشرات الكمية، بما يعكس نضج الرؤية وقدرتها على تقييم أثرها الشامل.
تُظهر حصيلة تسع سنوات أن رؤية السعودية 2030 لم تكن مجرد انتقال اقتصادي أو إداري، بل إعادة تشكيل شاملة وواعية لعلاقة التنمية بمجتمعنا، وبين الطموح الوطني وآليات تحقيقه على أرض الواقع.
ويعكس ما تحقق في هذا المسار تفاعلاً متكاملاً بين السياسات العامة وإرادة أبناء وبنات الوطن ومؤسساته، بما يعزز مسؤولية المرحلة القادمة في مواصلة البناء ومضاعفة الجهود نحو مزيد من الرفعة لهذا الوطن وشعبه.
ومع دخول المرحلة الختامية، يتضح أن الإنجاز الحقيقي يكمن في قدرة هذه المنجزات على التحول إلى بنية مستدامة تتطور ذاتياً، وتعزز التماسك الوطني، وتتراكم نتائجها عبر الأجيال، مع الحفاظ الدائم على أصالتنا وقيمنا الإسلامية والأسرية.