د.شريف بن محمد الأتربي
تلعب لغة الأرقام دورا هاما في قياس مؤشرات الأداء لأي مشروع، فما بالك أن تكون الأرقام ضمن سياق رؤيتنا 2030 حيث تكشف المقارنة بين تقريري الأداء السنويين لرؤية السعودية 2030، تقرير عام 2024 (الصادر في 2025) وتقرير عام 2025 (الصادر في 2026)، عن تحوّل نوعي يتجاوز الأرقام الظاهرة.
فعلى الرغم من بقاء النسبة العامة للمؤشرات المحققة أو التي تسير على المسار الصحيح عند حدود تقارب 93 % في كلا التقريرين، فإن الفارق الجوهري يتمثل في جودة الإنجاز. ففي التقرير الأحدث، لم تعد الحكومة تكتفي بتحقيق المستهدفات، بل اتجهت إلى تجاوزها، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد المؤشرات التي فاقت الأهداف المرحلية، وتسارع في تنفيذ المبادرات التي ارتفعت نسبة إنجازها من نحو 85 % إلى قرابة 90 % خلال عام واحد، إلى جانب قفزة في عدد المبادرات المكتملة من 674 إلى 935 مبادرة.
في قطاع التعليم، يعكس الفرق بين التقريرين انتقالًا واضحًا من التركيز على التوسع الكمي إلى التركيز على جودة المخرجات. ففي تقرير 2024، كان الإنجاز يتمثل في تحسين نسب الالتحاق وتطوير البنية التحتية التعليمية، خاصة في التعليم الرقمي. أما في تقرير 2025، فقد أصبح التقييم يعتمد بشكل أكبر على كفاءة الخريجين ومدى جاهزيتهم لسوق العمل. وتشير المؤشرات إلى تقدم كبير نحو مستهدفات التعليم المبكر، مع اقتراب معدلات الالتحاق من تحقيق أكثر من 90 % من الهدف المرحلي، إلى جانب تحسن حضور الجامعات السعودية في التصنيفات العالمية وتوسع البرامج المرتبطة بالتخصصات المستقبلية. هذا التحول يعكس انتقال التعليم من مرحلة «الإتاحة» إلى مرحلة «الأثر»، حيث لم يعد الهدف مجرد زيادة عدد المتعلمين، بل رفع جودة التعلم وربطه بالاقتصاد المعرفي.
أما في القطاع الصحي، فتظهر المقارنة اقترابًا فعليًا من تحقيق مستهدفات 2030، حيث ارتفعت نسبة التغطية الصحية من %96.4 في تقرير 2024 إلى نحو 97.5 % في تقرير 2025، مقارنة بهدف نهائي يبلغ 99.5 %. هذه الأرقام تعني أن المملكة حققت بالفعل نحو 98 % من الهدف النهائي قبل سنوات من موعده. لكن الأهم من ذلك هو التحول في طبيعة الخدمة الصحية نفسها، إذ لم يعد التركيز مقتصرًا على توفير الخدمة، بل امتد إلى تحسين جودتها وتعزيز الوقاية. فقد شهد عام 2025 توسعًا في خدمات الرعاية الأولية، وانخفاضًا في أوقات الانتظار، وانتشارًا أوسع للخدمات الصحية الرقمية، ما يعكس نضج المنظومة الصحية وانتقالها من نموذج علاجي إلى نموذج وقائي يركز على جودة الحياة.
وفيما يتعلق بتمكين المرأة، تظهر الأرقام تطورًا متسارعًا يعكس تحولًا هيكليًا في سوق العمل والمجتمع. فقد ارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل من نحو 35-36 % في تقرير 2024 إلى قرابة 37 % في تقرير 2025، مقارنة بمستهدف يبلغ 40 % بحلول 2030، ما يعني تحقيق أكثر من 90 % من الهدف النهائي. إلا أن التحول الأهم لا يكمن فقط في زيادة المشاركة، بل في تعزيز الحضور القيادي للمرأة في القطاعات المختلفة. فقد توسعت مشاركة النساء في المناصب الإدارية العليا، وبرز حضورهن بشكل أكبر في قطاعات حيوية مثل التقنية والسياحة وريادة الأعمال. وإذا كان عام 2024 يمثل مرحلة فتح الأبواب أمام مشاركة المرأة، فإن عام 2025 يمثل مرحلة ترسيخ دورها كفاعل رئيسي في صنع القرار الاقتصادي.
وعند قراءة هذه المؤشرات مجتمعة، يتضح أن الفارق بين التقريرين لا يتمثل في تغير الأرقام الكبرى بقدر ما يتمثل في تغير طبيعة الأداء الحكومي. فقد انتقلت الرؤية من مرحلة «تحقيق الأهداف» إلى مرحلة «تعظيم الأثر والاستدامة»، وهو ما يتماشى مع دخولها المرحلة الثالثة والأخيرة (2026-2030). في هذه المرحلة، لم يعد النجاح يقاس فقط بمدى الالتزام بالمستهدفات، بل بقدرة السياسات على إحداث تغيير طويل الأمد في حياة المواطنين وجودة الاقتصاد.
في المحصلة، تعكس تقارير رؤية السعودية 2030 في نسختيها لعامي 2025 و2026 قصة تحول تتجاوز التنفيذ إلى النضج. التعليم يتجه نحو بناء كفاءات قادرة على المنافسة عالميًا، والقطاع الصحي يقترب من تحقيق تغطية شبه كاملة مع تركيز متزايد على الوقاية، والمرأة تنتقل من موقع المشاركة إلى موقع التأثير والقيادة. ومع بقاء أقل من خمس سنوات على عام 2030، تبدو المؤشرات واضحة: المملكة لا تسير فقط نحو تحقيق أهدافها، بل نحو تجاوزها وتثبيت نموذج تنموي مستدام يشكل ملامح المستقبل.