علي حسن حسون
مرت على مسامعنا كثيرًا كلمة الحياد، أو عبارة «أنا محايد». لكن، هل تساءلنا يومًا: هل يوجد فعلًا شيء اسمه الحياد؟ أم أنها مجرد كلمة نلوذ بها حين لا نريد أن نكشف مواقفنا الحقيقية؟
خذ لحظة وتأمل ما يُعرض على شاشات التلفاز، خصوصًا نشرات الأخبار التابعة لجهات معينة... هل تعتقد أنها تعمل فعلًا ضمن دائرة الحياد؟
من يُعدّ الخبر إنسان، تحكمه مشاعر الغضب والكره، الحب والبغض، وقد يعيش ضائقة مالية أو إحباطًا وظيفيًا. ثم يأتي من يُدقّق هذا الخبر، وهو إنسان آخر، قد يحمل من الضغوط ما يفوق الأول. وبعد ذلك، يظهر المذيع على الشاشة ليقرأ نصًا لم يكتبه، ضمن منظومة كاملة صاغت هذا المحتوى بعناية.
هنا تظهر الحقيقة التي كثيرًا ما نتجاهلها: خلف كل منصة إعلامية جهة تمويل، وخلف كل تمويل هدف. قد يكون الهدف نقل الحقيقة، وقد يكون توجيهها، أو حتى تضخيمها وخلق حالة من القلق تخدم غاية معينة. وهذا بحد ذاته يضع الحياد - إن وُجد - بين قوسين.
مع تصاعد الأحداث السياسية، تصبح القنوات الإخبارية في صدارة المشهد، تسحب البساط من بقية وسائل الترفيه، وتتحول إلى المصدر الأول للمعلومة. لكنها، في المقابل، قد تحجب بعض الأخبار، أو تضخم أخرى، أو حتى تنقل روايات مشكوكًا في صحتها، وربما تُسرّب أخبارًا بدوافع اقتصادية أو سياسية.
فبعد كل ذلك... هل ما زلت تعتقد أن هناك حيادًا مطلقًا؟ الأمر لا يختلف كثيرًا في وسائل التواصل الاجتماعي فهذه المنصات، التي جاءت لملء فراغ التواصل، لم تعد مجرد أدوات محايدة بل هناك سياسات، وخوارزميات، وحذف محتوى، وتقييد كلمات... كل ذلك يعكس رؤية مُلّاك هذه المنصات وتوجهاتهم ، فهل ما زال بالإمكان الحديث عن الحياد؟.
على المستوى الإنساني، يتجلّى صراعٌ أزلي لا ينتهي بين الخير والشر؛ صراع تتفرع منه كل تفاصيل الحياة وتعود إليه في نهاية المطاف. فكل حدث يمكن أن يُعرض على هذا الميزان الحاسم: أهو خير أم شر؟ ولا يبدو أن هناك منطقة رمادية حقيقية كما نحب أن نتصور، بل خيارات واضحة تتطلب موقفًا صريحًا.
إنها الصورة ذاتها حين نتأمل الحق والباطل؛ لا يمكنك أن تقف مع الباطل حينًا، ثم تعود لتناصر الحق حينًا آخر، وكأن الأمر قابل للتبديل وفق المزاج أو المصلحة. فالحياة، في جوهرها، ليست مساحات متداخلة بقدر ما هي مفترق طرق واضح: طريق يقود إلى الحق، وآخر ينزلق نحو الباطل.
ولهذا، يصبح الحياد - في مثل هذه القضايا - موضع تساؤل حقيقي؛ لأن الوقوف في المنتصف قد لا يكون موقفًا بريئًا كما يبدو، بل قد يكون اختيارًا غير معلن لأحد الجانبين. ففي نهاية المطاف، نحن لا نقف خارج الصراع، بل نتموضع داخله، سواء اعترفنا بذلك أم تجاهلناه.
لقد ربط أرسطو الحياد بالاعتدال، باعتباره الطريق نحو الفضيلة والعدل. بينما رأى إيمانويل كانط أن الحياد يكمن في الالتزام بقواعد أخلاقية عادلة بعيدًا عن المصلحة الشخصية.
لكن على الجانب الآخر، يشكك فريدريك نيتشه في إمكانية الحياد التام، مؤكدًا أن الإنسان بطبيعته محكوم بقيمه وانحيازاته، وأن الحياد الكامل قد لا يكون سوى وهم.
أخيراً الحياد ليس موقفًا سهلاً كما يبدو، ولا هو حالة يمكن ادعاؤها ببساطة. قد يكون قيمة نسعى إليها لتحقيق العدل، لكنه في كثير من الأحيان يصطدم بواقع الإنسان، ومصالح المؤسسات، وتعقيدات الحياة.
لذلك، حين يقول أحدهم: أنا محايد، فربما لا يعني أنه بلا موقف، بل يعني - في أفضل الأحوال - أنه يسعى للعدل، لا للهوى.
ويبقى السؤال الأهم:
هل العدل يكون بالوقوف في المنتصف... أم بالانحياز إلى الحق؟.