د. طلال الحربي
حين اجتمع قادة دول الخليج العربي في الرياض عام 1981 ليوقّعوا النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، كانوا يضعون حجرَ الأساس لواحدٍ من أرسخ التكتلات الإقليمية في تاريخ المنظومة الدولية المعاصرة. لم يكن ذلك الحدث مجرد توقيع دبلوماسي على وثيقة، بل كان تأسيساً لإرادةٍ جماعية راسخة، وصياغةً مدروسة لمشروع خليجي موحَّد يقوم على التوافق السياسي، وتوحيد المسارات الاقتصادية، وصون المصالح الأمنية المشتركة. واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود من المسيرة، تنعقد قمةٌ تشاورية في جدة برئاسة سمو الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لتؤكد أن هذا المشروع لم يتوقف عند حدود التأسيس، بل تجاوز المراحلَ واستوعب التحديات وارتقى نحو آفاق أرحب وأعمق.
المجلس بين الثبات الاستراتيجي والتجدد المؤسسي يمثّل مجلس التعاون لدول الخليج العربية نموذجاً استثنائياً في الجغرافيا السياسية الإقليمية، إذ نجح في الجمع بين عنصرَي الاستمرارية والتكيّف على مدى أربعة عقود ونيّف، وهو ما عجزت عنه كثيرٌ من التكتلات الإقليمية التي أُسِّست في الحقبة ذاتها ثم تآكلت أو تشظّت تحت وطأة التناقضات الداخلية والضغوط الخارجية.
فقد واجه المجلس حروباً إقليمية مدمّرة، وموجاتٍ من الاضطراب السياسي، وأزمات حادة داخل منظومته، غير أنه في كل مرة أثبت قدرةً فائقة على استعادة التوازن واستئناف المسيرة من نقطةٍ أكثر نضجاً واستيعاباً للدروس المستخلصة. ولعل هذه المرونة الهيكلية التي يُعبَّر عنها في الأدبيات العلمية بمفهوم “المتانة المؤسسية” Institutional Resilience هي ما يميّز تجربة المجلس عن سواها ويمنحها ديمومتها.
ولا يخفى على المتابعين للشأن الخليجي أن المجلس استطاع أن يُرسي ما يُعرف في الدراسات الاندماجية بـ»المجتمع الأمني» Security Community، وهو المفهوم الذي صاغه المنظّر الأمريكي كارل دوتش، والذي يعني توافر حالةٍ من الاندماج الجماعي تجعل اللجوء إلى القوة بين الوحدات المشكِّلة له أمراً مستبعداً على المستوى البنيوي. فدول الخليج الست باتت تتشارك ليس فقط في الاهتمامات الاقتصادية والأمنية، بل في منظومة معيارية وقيمية متجانسة تجعل الهوية الخليجية المشتركة رافداً حقيقياً للتعاون لا مجرد شعار مُتداوَل.
ولا تأتي القمة التشاورية في جدة بمعزلٍ عن سياقها الجيوسياسي المشحون. إن اختيار عروس البحر الأحمر موقعاً لهذا التجمع الخليجي الرفيع يحمل في طياته إشاراتٍ دلالية لا تُقرأ بمعزلٍ عن التحولات الكبرى التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والمشهد الاستراتيجي الدولي. فجدة، بموقعها على المحور التجاري الغربي للمملكة العربية السعودية، وارتباطها التاريخي بمنظومة التواصل الحضاري الإسلامي عبر البحر الأحمر، تُشكّل فضاءً رمزياً يوحي بالانفتاح والتواصل والقيادة الفاعلة في محيطٍ استراتيجي بالغ الأهمية.
وتنعقد هذه القمة في مرحلة تتسم بجملةٍ من التعقيدات الجيوسياسية التي باتت تستدعي تنسيقاً خليجياً أعمق وأكثر تكاملاً. فالمشهد الإقليمي يرزح تحت ثقل المفاوضات النووية الإيرانية المتقطعة، وتداعيات الملفات الساخنة في محيط المنطقة، فضلاً عن إعادة هيكلة منظومة الشراكات الغربية في ظل التحولات المتسارعة في الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. في مثل هذا المناخ، لا تكون القمة التشاورية ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورةً إستراتيجية حتمية.
حيث لا يمكن استيعاب دلالات هذه القمة دون الإشارة إلى الدور المحوري للمملكة العربية السعودية، التي طالما شكّلت العمود الفقري للمنظومة الخليجية منذ تأسيسها. فقد آثر الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، منذ أول أيام عهده المُبارك، إطلاق رؤيةٍ إصلاحية شاملة للعمل الخليجي المشترك، إذ دعا حفظه الله إلى تطوير آليات التعاون الخليجي وتعميق مسارات التكامل على مختلف الصُّعد. وقد جاءت هذه الرؤية الملكية السامية معبِّرةً عن فلسفةٍ سياسية ناضجة ترى في التضامن الخليجي ليس غاية أيديولوجية مجردة، بل أداةً فاعلة لصون المصالح الوطنية والقومية في مواجهة التقلبات الدولية.
وفي إطار هذه الإرادة السياسية الراسخة، يواصل سمو الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء مسيرة القيادة بحضورٍ إستراتيجي بارز على الصعيدين الإقليمي والدولي. فسموه لم يكتفِ بترسيخ الشراكات الثنائية مع أشقاء الخليج، بل رفع سقف الطموح الخليجي المشترك نحو بناء منظومة تكاملية تتمتع بقدرات اقتصادية وأمنية تعكس ثقل المنطقة الجيوسياسي وتليق بمكانتها الحضارية. ويُجسّد انعقاد هذه القمة برئاسة سموه، واستضافتها على أرض المملكة، تجلياً ملموساً لمركزية الدور السعودي في قيادة المسيرة الخليجية وتجديد زخمها.
فعلى الصعيد الأمني، باتت قمم مجلس التعاون تتجاوز في مقارباتها النماذجَ التقليدية للدفاع الجماعي المبنية على منطق الردع الاستاتيكي، لتتبنى تصوراتٍ أكثر شمولاً وتطوراً تستوعب الطبيعة المتغيرة للتهديدات. فالأمن الخليجي اليوم لا يُختزل في إدارة الأطياف الصاروخية والحدود البرية، بل يمتد ليشمل الأمن السيبراني Cybersecurity الذي باتت التهديدات فيه عابرةً للحدود والسيادات الوطنية، وأمن الطاقة Energy Security بوصفه رهاناً استراتيجياً في عالمٍ تتصاعد فيه حروب الموارد، وأمن الممرات البحرية Maritime Security في البحر الأحمر وخليج عُمان، وأمن الغذاء Food Security الذي كشفت الجائحة العالمية عن هشاشة منظومته الدولية .
وتحتاج دول المجلس إلى توافقاتٍ تُعزز منظومة القيادة العسكرية الموحدة لدول المجلس، وتُطوّر الأُطر التنسيقية في مجال استخبارات التهديدات وإدارة الأزمات الإقليمية، مما يُجسّد المضمون الحقيقي لمفهوم الأمن المتكامل Integrated Security الذي طالما نادت به الوثائق التأسيسية للمجلس.
أما على الصعيد الاقتصادي، فتأتي القمة في مرحلةٍ حرجة تشهد إعادة هيكلة جذرية للبنى الاقتصادية الخليجية في ضوء مساعي التنويع الإنتاجي والتخلص التدريجي من الاعتماد الريعي على العائدات النفطية. وقد انطلقت دول المجلس في مسارات متوازية من الإصلاح الاقتصادي تتمحور حول تحفيز القطاع الخاص، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وبناء قطاعات إنتاجية تنافسية في التقنية والخدمات والصناعة والسياحة. وتُجسّد رؤية المملكة العربية السعودية 2030 النموذجَ الأكثر طموحاً وشمولاً في هذا الإطار، غير أن الانتقال من التخطيط الوطني إلى التنسيق الخليجي المشترك يبقى تحدياً بنيوياً يستدعي تفعيلاً حقيقياً لآليات الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة.
وتحتل مسألة التكامل المالي والمصرفي أهمية قصوى في جدول أعمال المرحلة المقبلة، لا سيما في ما يتعلق بمنظومة الدفع الرقمي الخليجي الموحّد، والتنسيق في السياسات النقدية Monetary Policy في مواجهة موجات التضخم العالمي والتقلبات في أسواق الصرف الأجنبي. فضلاً عن ذلك، تفرض ثورة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي على دول المجلس ضرورة بناء استراتيجيات تقنية مشتركة، تستفيد من حجم السوق الخليجي الموحّد الذي يتجاوز خمسين مليون مستهلك، وتُحوّل التحديات الرقمية إلى فرصٍ لقيادة المنطقة في اقتصاد المعرفة العالمي.
والخليج قوةٌ موحّدة لا أصواتٌ متفرقة
تستوقف المراقب الاستراتيجي في الشأن الخليجي ظاهرةٌ لافتة تجلّت في السنوات الأخيرة، وهي ارتفاع منسوب التنسيق الخليجي في الملفات الدولية الكبرى، وتحوّل دول المجلس تدريجياً من فواعل إقليميةٍ تتعاطى مع الأقطاب الدولية بصورة فردية، إلى فاعلٍ جماعي يتحدث بصوتٍ استراتيجي موحّد يُحسب له الحساب في تشكيل التوافقات الدولية. ويتجلى ذلك في تنسيق مواقف دول المجلس داخل المحافل الدولية كالأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية ومنتديات العشرين، حيث باتت الكتلة الخليجية تتمتع بثقلٍ تفاوضي يفوق بكثيرٍ مجموع الأثقال الفردية لدولها.
ولعل هذا ما يجعل القمة التشاورية في جدة محطةً ذات أبعادٍ تتجاوز السياق الإقليمي، إذ إن قدرة دول المجلس على تقديم رؤيةٍ خليجية موحّدة تجاه الملفات الدولية الساخنة، من أمن الطاقة إلى إدارة الأزمات الإقليمية، سيُحدد حجم الثقل الذي يحتلّه المجلس في معادلات النظام الدولي المتشكّل بعد موجة التحولات الجيوستراتيجية الراهنة.
إن مجلس التعاون الخليجي لم يكن في يوم من الأيام مجرد ترتيب تعاوني يُدار بالبيروقراطية الدبلوماسية، بل كان في جوهره تجسيداً لإرادةٍ سياسية جماعية نابعة من الإدراك العميق بأن الأمة الخليجية، بما تمتلكه من موارد وتراثٍ حضاري ومكانة جيوسياسية استثنائية، إنما تكون أقدر على استيفاء رسالتها وحماية مصالحها حين تتحرك في تناغمٍ وتوافق. وفي ضوء هذا الفهم تحديداً تُقرأ القمة التشاورية في جدة: ليست مجرد حدثٍ على جدول الأعمال الدبلوماسي، بل هي تأكيدٌ على استمرار هذه الإرادة وتجدّدها، وإعادة إنتاجٍ لزخمٍ تأسيسي بدأت فصوله من الرياض عام 1981، وها هي اليوم تُكتب فصولٌ جديدة منه على شاطئ جدة، تحت رعاية قيادةٍ حكيمة تُدرك أن الوحدة ليست ترفاً، بل هي الضرورة الوجودية الكبرى لمستقبل منطقةٍ تقف عند مفترق طرق التاريخ.