د. رنا بنت عبدالله الغامدي
في الطريق بين جدة ورابغ، يتكرر المشهد ذاته كل يوم؛ مسار طويل، صامت، يقطعه آلاف المرتادين، هذا الطريق يمتد بلا ملامح كافية ليكون تجربة، ولا تفاصيل تصنع له حكاية، لكنه بلا شك يتيح مساحة للتفكير والتأمل والحلم.
هذا المقال ليس إلا سرداً لحلم جميل بدأ على هذا الطريق، حلمٌ برابغ متجددة: واجهةً محبوبة تجمع بين الصناعة، والمعرفة، والخضرنة، وتجربة المكان.
بالنسبة لكثيرين، مدينة رابغ مرتبطة بالبحر، وهدوء المكان، وبساطة الحياة. لكن حين تتحول الزيارة لها إلى رحلة متكررة، يتغير الإدراك ليكون الطريق الذي كان جزءًا من الحكاية، جزءًا من التحدي.
وعندما يُذكر اسم «رابغ» في بعض البيئات المهنية خارجها، تتشكَّل صورة ذهنية نمطية سريعة: بأنها مدينة صناعية فحسب، لكن الواقع يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. رابغ ليست مجرد مدينة عابرة في الجغرافيا، بل نقطة التقاء لدوائر إستراتيجية متكاملة: الصناعة، المعرفة، التاريخ والموارد الطبيعية. ففي قلبها الصناعي، تقف شركة بترو رابغ، كأحد أهم المشاريع في قطاع الطاقة والبتروكيماويات، بما تمثِّله من منظومة تشغيلية عالمية وفرص للكفاءات الوطنية. وإلى جانبها، تأسست أكاديمية الطاقة والمياه، لتكون حلقة الوصل بين التعليم والتطبيق، حيث تُدرّب الكوادر على تقنيات الطاقة والتشغيل الصناعي، وتسهم في التأهيل المباشر لآلاف الشباب لسوق العمل.
ثم تتسع الدائرة مع أكاديمية المياه، التي تقود تطوير الكفاءات في قطاع تحلية المياه وإدارة مواردها، ضمن توجه وطني يعزِّز الأمن المائي والاستدامة، حيث سُجّلت «واحة المياه» في رابغ، التابعة للأكاديمية في موسوعة غينيس كأكبر واحة ابتكار مائي في العالم، تجمع بين البحث العلمي والتطبيق وريادة الأعمال في موقع واحد.
ولا يكتمل المشهد السابق بدون الدور المحوري لفرع جامعة الملك عبدالعزيز في رابغ، كقلب معرفي أسهم لسنوات في مدّ المدينة بكفاءات علمية مؤهلة، وفي بناء رصيد بشري من الشباب القادرين على الانخراط المباشر في سوق العمل. فلم يكن دور الجامعة مقتصرًا على التعليم فحسب، بل امتد ليشكّل قاعدة بشرية داعمة للقطاعات الصناعية والتقنية في رابغ، ومصدرًا لتغذية الأكاديميات المتخصصة القائمة هناك. وتزداد هذه المنظومة عمقًا حين ننظر إلى محيطها، فقرب رابغ من مدينة الملك عبدالله الاقتصادية يمنحها بُعداً إضافيًا، بوصفها أحد أهم المراكز الاقتصادية واللوجستية الصاعدة على ساحل البحر الأحمر، بما تضمه من ميناء متطور ومناطق صناعية واستثمارية.
وهذا التجاور هو فرصة إستراتيجية لربط مخرجات التعليم والتدريب ببيئة اقتصادية حيَّة، تختصر المسافة بين التأهيل والتوظيف. فنحن هنا لا نتحدث عن مشاريع منفصلة، بل عن منظومة متكاملة بدأت تتشكَّل بالفعل. وإذا أضفنا إلى ذلك موقع رابغ الجغرافي، بين جدة جنوبًا وينبع شمالًا، فإننا أمام محور ساحلي إستراتيجي يربط بين أكبر مراكز الصناعة والطاقة والاقتصاد في غرب المملكة.
ولا تكتمل صورة رابغ دون بُعدها الزراعي. فرابغ ومحيطها تُعد من المناطق المنتجة للنخيل والقمح والخضراوات، في مشهد يؤكد أن الأمن الغذائي جزء أصيل من هذه الجغرافيا. ولا يقتصر هذا التنوع على اليابسة، فموقعها على البحر الأحمر يمنحها كذلك ثروة سمكية تعزِّز من تكاملها الغذائي والاقتصادي.
ولرابغ بُعدٌ أعمق من الجغرافيا والاقتصاد والإمكانيات المذكورة سابقاً، فهي من المدن التي مرَّت بها مسارات القوافل تاريخياً في غرب المملكة، وكانت محطة على طريق الحجاج، وممرًا مهمًا على الساحل، وموقعًا شهد حضورًا في مراحل التحول التي سبقت توحيد المملكة العربية السعودية.
ولعل أبلغ ما يختصر هذا العمق، مشهدٌ حدث قبل نحو مئة عام؛ حين حاصر الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مدينة جدة، وطال الحصار حتى شحَّت المؤن على جيشه، فتقدّم ابن مبيريك الغانمي، أمير رابغ آنذاك، وأمدّ الجيش بالأرزاق والعتاد حتى انفرجت الأزمة وتم الفتح.
ولأن هذا العمق التاريخي يستحقّ أن يُروى لا أن يُنسى، فإن من أجمل ما يمكن أن تحتضنه رابغ هو متحف يليق بتنوّعها وثرائها. أحلم بمتحف «ملتقى المسارات»، الذي يضم هوية رابغ وقصتها: ملتقى مسارات القوافل القديمة، ومسارات الطاقة والصناعة، ومسارات المعرفة والتعليم، ومسارات البحر والغذاء. متحف تفاعلي لا يكتفي بعرض الماضي خلف الزجاج، بل يأخذ الزائر في رحلة حيّة تبدأ من زمن القوافل ورحلة الشتاء والصيف، مرورًا بمحطة رابغ في مسيرة توحيد المملكة وقصة ابن مبيريك، وصولًا إلى قاعات تفاعلية تُحاكي عمليات التكرير وتحلية المياه والزراعة الذكية، وأخرى تغمر الزائر بأصوات البحر وروائحه وهو يكتشف ثروة رابغ السمكية وساحلها الذي أطعم المدن قبل أن تُطعمه الصناعة. ليصبح المتحف وجهة جاذبة للصغار قبل الكبار.
ومن هذا التصوّر، تتّسع الفكرة إلى كيفية الوصول للمتحف، وتجربة الطريق إليه. حلمت بأن يكون الوصول عبر طريق يحتضنه اللون الأخضر، تتخلله محطات توقف بتصاميم متنوعة؛ بعضها عصري، وأخرى تستلهم روح القوافل وعبق التاريخ القديم، بمقاهٍ ومساحات للراحة تجعل التوقف فيها بداعي الرغبة لا الضرورة. وفي موازاة ذلك، يبرز خيار الوصول عبر القطار وهنا أيقنت أهمية وجود محطة قطار داخل رابغ نفسها، لا كخدمة نقل فحسب، بل كأداة تعيد تشكيل العلاقة بين المدن وتفتح آفاقًا للتنقّل والعمل وجودة الحياة. فاليوم تمرّ قطارات الحرمين السريع وتقف في أقرب محطة لرابغ عند مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، على بعد يقارب خمسين كيلومترًا من رابغ، وهي مسافة قصيرة على الخريطة لكنها طويلة في تجربة يومية متكررة.
رابغ بساحلها الممتد وطبيعتها الهادئة تملك مقوّمات لم تُستثمر بعد: شواطئ يمكن تطويرها إلى وجهات بحرية جاذبة، ومساحات مفتوحة تحتمل مشاريع ترفيهية ورياضية تخدم سكّانها والقادمين إليها. المدن التي تُحَبّ هي المدن التي تجمع بين أن تعمل فيها وأن تعيش فيها وأن تستمتع فيها. ورابغ تستحقّ أن تكون واحدة منها.
وفي الختام، أحلم أن صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة، ونائبه، يدعمان كل تلك الرؤى ويفتحان لها مسارًا للدراسة والتطوير ضمن منظومة متكاملة تعيد قراءة إمكانات رابغ برؤية جديدة. وحين يلتقي حلم المواطن الطموح بدعم القيادة، تتحوّل الأفكار إلى واقع.
نحن في وطنٍ تتوفر فيه -ولله الحمد- بنية تحتية متقدمة، وطنٌ يعطينا أكثر مما نعطيه. لكن تبقى مساحة يساهم فيها الأفراد، قد تبدأ بالنيَّة وبالمبادرات وبعض الأحلام التي قد تبدأ من الطريق لكنها لا تنتهي عنده.