د. أنس عضيبات
في الوقت الذي نعيش فيه العصر الأكثر اتصالاً في تاريخ البشرية، يبدو أننا نغرق في مفارقة غريبة؛ فكلما زادت قنوات التواصل، قلَّ التواصل الحقيقي، ولقد تحول الحوار من كونه جسراً للعبور نحو الآخر إلى «منصة للصراخ»، حيث يسعى كل طرف لإثبات صوابية رأيه دون أدنى رغبة في فهم وجهة النظر المقابلة، وهذا «الصراخ الرقمي» الذي يملأ فضاءاتنا ليس دليلاً على قوة الحجة، بل هو صدى لفقداننا أهم مهارة إنسانية فطرية: القدرة على الإنصات الواعي الذي يسبق الحكم، والتعاطف الذي يسبق الرد.
لقد أعادت منصات التواصل الاجتماعي صياغة هندسة الحوار لتصبح «تفاعلية» في شكلها، لكنها «إقصائية» في جوهرها، فالخوارزميات التي تحيطنا بما يشبه أفكارنا (فقاعات الفلتر) جعلت من الرأي المخالف يبدو كأنه هجوم شخصي أو تهديد للهوية، مما أدى إلى تآكل «المساحات الرمادية» في نقاشاتنا، وفي غمرة البحث عن «التريند» أو حصد الاعجابات، ضاع الإنصات بوصفه فعلاً أخلاقياً، واستُبدل به «التربص الرقمي»، حيث نستمع للآخر فقط لكي نجد ثغرة نهاجمه من خلالها، لا لنفهم المنطق الذي ينطلق منه.
إن أزمة الحوار المعاصر تكمن في تحول المسافة بين المتحدث والمستمع إلى حلبة صراع تقاس بالثواني، وفي العصر الرقمي، أصبح الصمت أثناء الحوار يُفسّر ضعفاً، والتأني في الرد يُعتبر هزيمة، بينما الحوار الحقيقي يتطلب «تنفساً» ومساحة للتأمل، لقد فقدنا «إيتيكيت» الاختلاف، حيث كان الحوار يهدف قديماً إلى الوصول لمساحة مشتركة أو على الأقل لفهم أسباب الخلاف، أما اليوم فقد بات الهدف هو «إلغاء الآخر» وتهميش صوته بمجرد خروجه عن سياق المألوف لدوراتنا الرقمية.
وعلى المستوى الأسري والاجتماعي المصغر، تسلل هذا الضجيج إلى غرف المعيشة، ليحول الجلسات العائلية إلى مونولوجات متوازية لا تتقاطع. الإنصات ليس مجرد صمت بانتظار دورنا في الكلام، بل هو حضور ذهني وعاطفي كامل يمنح الآخر شعوراً بأنه «مرئي» و»مسموع»، وبدون هذا النوع من الإنصات، تصبح علاقاتنا هشة وسطحية، حيث نتبادل المعلومات والبيانات عوضاً عن تبادل المشاعر والخبرات، مما يولد شعوراً عميقاً بالوحدة حتى في أكثر الأماكن ازدحاماً بالبشر.
إن رحلة البحث عن «الإنصات» تبدأ من الوعي بأن الحوار هو تمرين في التواضع، واعتراف بأن الحقيقة لا يملكها طرف واحد، نحن بحاجة ماسة إلى استعادة «هدوء ما قبل الكلمة»، والتدرب على الإصغاء للنبض الإنساني خلف النصوص الجافة والشاشات الباردة، ففي عالم يضج بالضجيج، يصبح الإنصات الحقيقي هو أسمى أشكال التقدير، والسبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من روابطنا الإنسانية قبل أن تبتلعها دوامات الصراخ التي لا تنتهي.