خالد بن عبدالرحمن الذييب
هي دنيا تغرّنا فيها الأطماع، نتحرك في أعماقها مثل سمكٍ يسبح في بحر لجي، ينزل إلينا «الطعم» بشكل يومي وبصورٍ شتى. ومع أننا نرى بأم أعيننا أن من يبتلع الطعم لا يعود، إلا أننا نكرر فعلته، نسابق لالتقاط حتفنا بأيدينا. هكذا نحن في هذه الحياة؛ نغترّ ببهرجها الزائف، ونستجيب لزخرفها الخدّاع، ورغم علمنا المسبق بأنها تخدعنا، نذهب إلى ذلك الخداع بكامل إرادتنا، مستمتعين به، بل ونضيق ذرعاً بكل ناصحٍ أمين.
إننا في غمرة غفلتنا، لا نكتفي برفض النصيحة، بل نغضب من الناصح ونتعامل معه كخصم لدود، ومع يقيننا الداخلي بأنه ليس كذلك، إلا أننا نصرّ على تصويره في هيئة خصم، وكأنّ خَلْق الأعداء بات طبيعة بشرية متجذرة، أو كأننا لا نستطيع العيش دون صناعة أساطير وهمية حول من يحبنا ومن يكرهنا. مشكلتنا الكبرى أننا نقضي أعمارنا في تشكيل خارطة وهمية للأحباب والأعداء، بينما الحقيقة المجردة هي أنه لا يوجد أعداء ولا أحباب بالمعنى المطلق؛ فكلُّ امرئٍ مشغول بنفسه، والجميع يسير في طرقات متقاطعة، حيث تحكم مصلحة اللحظة نوع العلاقة وشكل التعامل.
من أفدح الأخطاء التي نرتكبها هي اعتقادنا بأننا جزءٌ أصيل من محيط الآخرين، أو ذهاب البعض بعيداً في توهم أن ذواتهم هي محور الكون الذي تدور حوله الأحداث. صدقني يا من تقرأ، أنت لست جزءاً من محيط أحد، ولا أحد جزء من محيطك، إلا إذا اخترت أنت خلق ذلك في مخيلتك، وإن حدث ذلك يوماً وشعرت بالخذلان، فعليك بمعاتبة خيالك الذي صوّر لك مقاماً ليس لك، ورسم لك أوهاماً لا يُفترض تصورها.
الحياة أقصر من أن نضيعها في التفكير بالانتقام أو الغضب. فذاك الذي أضرك، ربما كان مجرد مرحلة، أخذ منك ما يريد ورحل، تماماً كما فعلت أنت يوماً مع غيرك. نحن كركاب قطار يركضون للحاق بالرحلة؛ في الزحام قد تَدفع غيرك لتركب، وفي اللحظة التالية يَدفعك آخر ليأخذ مكانك، ولولا هذا التدافع لفسدت الأرض. وفي النهاية، قد ينطلق القطار دون أن تلحق به أنت أو من دفعته، ليركب الأقوى في تلك اللحظة فقط. أرح بالك، وانظر للأمور ببساطة بائع القهوة الذي يقدم لك نفعاً مقابل ثمن، دون حب أو كراهية.
أخيراً....
تذكر أنك المسافر فاجعل عبورك خفيفاً يترك خلفه أثراً طيباً، ولا يحمل معه إلا السلام...
ما بعد أخيراً...
بارك لمن ربح، وتجاوز عن الخسارة، فالموضوع أبسط مما تتخيل.. رفعت الجلسة.