فاطمة الجباري
ليس كل من وقف في المنتصف مترددًا، ولا كل من صمت خائفًا، فبعض المسافات التي نختارها لأنفسنا.. ليست انسحابًا، بل نجاة.
هناك من يظن أن القوة تعني الانحياز السريع، أن تختار طرفًا، ترفع صوتك، وتدخل المعركة دون تروٍّ، لكن الحقيقة التي لا يلتفت إليها كثيرون:
أن الوقوف في المنتصف أحيانًا يحتاج لقلب أشد ثباتًا من أولئك الذين يندفعون بلا تفكير.
المنتصف ليس دائمًا منطقة رمادية باهتة، بل قد يكون مساحة نقية، نحمي فيها وعينا من التلوث، ونمنح عقولنا فرصة أن ترى الصورة كاملة، بعيدًا عن ضجيج الانفعالات، وبعيدًا عن ضغط الانتماء.
كم من إنسان اختار المنتصف لأنه لا يريد أن يظلم أحدًا، ولا أن يكون شاهد زور، ولا أن يُصفّق للباطل لمجرد أن الجميع يفعل ذلك. اختار أن يتأنى.. أن يفهم.. أن ينظر بعينين لا بعين واحدة.
المنتصف ليس ضعفًا.. الضعف أن تنجرف، حيث يُساق الجمع، أن تتبنى رأيًا لأنك تخشى أن تكون وحدك، أن ترفع راية لا تؤمن بها فقط لتشعر بالأمان.
أما من يقف في المنتصف وهو واعٍ، فهو لا يهرب، بل يؤجل حكمه حتى يكتمل النور، ولا يتراجع، بل يرتقي فوق الضجيج، ولا يتخاذل، بل يحمي ضميره من التسرع.
لكن.. ليس كل منتصف محمود، فحين يكون الحق واضحًا كالشمس، فإن الوقوف في المنتصف يتحول من حكمة إلى تقصير، ومن اتزان إلى خذلان.
لهذا.. المنتصف ليس موقفًا ثابتًا، بل حالة من الوعي، نقف فيه حين نحتاج أن نفهم، ونغادره حين يجب أن ننحاز للحق.
وفي النهاية.. القوة ليست في أن تختار طرفًا دائمًا، ولا في أن تبقى في المنتصف دائمًا، بل في أن تعرف متى تفعل هذا.. ومتى ذاك، وأن تظل في كل الأحوال.. صادقًا مع نفسك..