سارة الشهري
بهدوء ولكن بثبات أعادت المرأة السعودية رسم موقعها في المشهد التنموي، حتى أصبحت اليوم أحد أبرز ملامح التحول الذي تقوده رؤية 2030. هذا الحضور المتنامي لا يمكن قراءته بوصفه تغيراً عابراً، بل كتعبير عن مرحلة جديدة تتشكل فيها ملامح الاقتصاد والمجتمع معاً.
ومع صدور التقرير السنوي للرؤية، تتضح صورة أكثر اكتمالاً عن التقدم الذي تحقق في تمكين المرأة، حيث لم يقتصر على تحقيق المستهدفات بل تجاوزها إلى مستويات تعكس تسارعاً لافتاً في وتيرة التحول، واتساعاً في دوائره.
خلال سنوات قليلة انتقلت المرأة السعودية من هامش المشاركة الاقتصادية إلى موقع أكثر فاعلية وتأثير. فقد سجلت نسب مشاركتها في سوق العمل قفزات نوعية تجاوزت المستهدفات المبكرة للرؤية، في دلالة واضحة على أن التغيير لم يكن تدريجياً بطيئاً، بل تحولاً متسارعاً أعاد تشكيل بنية السوق نفسها. هذا التقدم لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة إصلاحات تشريعية، وبرامج تمكين، وتحولات اجتماعية متزامنة خلقت بيئة أكثر انفتاحاً واستيعاباً.
لكن قراءة هذا الصعود من زاوية الأرقام فقط تظل قاصرة. فالتحول الأهم يكمن في نوعية الأدوار التي باتت المرأة تشغلها. اليوم تحضر المرأة السعودية في قطاعات استراتيجية مثل التقنية، وريادة الأعمال، والاستثمار، وتقترب تدريجياً من مراكز صنع القرار. هذا الانتقال من المشاركة إلى التأثير يعكس نضج تجربة التمكين ويؤكد أنها لم تعد مرحلة مؤقتة، بل مساراً مستداماً.
التقرير السنوي للرؤية يعزز هذه الصورة، حيث أظهر تحقيق نسب متقدمة في مؤشرات الأداء، وتقدماً ملحوظاً في كفاءة سوق العمل. وفي قلب هذه المؤشرات، يظهر تمكين المرأة كأحد العوامل الداعمة لهذا الأداء، ما يعني أن أثره لم يعد اجتماعياً فقط بل أصبح اقتصاديا بامتياز. اقتصادياً، أسهم هذا الصعود في توسيع قاعدة الكفاءات الوطنية ورفع الإنتاجية، ودعم نمو القطاعات غير النفطية وهي أهداف جوهرية في مشروع تنويع الاقتصاد. وهنا تتضح إحدى أهم نتائج الرؤية وهي تحويل تمكين المرأة من ملف اجتماعي إلى رافعة اقتصادية تسهم في تحقيق الاستدامة.
ومع ذلك، فإن هذا التقدم يفتح الباب أمام تحديات جديدة، فالمرحلة المقبلة لا تتعلق بزيادة نسب المشاركة فحسب، بل بترسيخ جودة الفرص، وتعزيز الحضور في المناصب القيادية العليا، وتوسيع التمثيل في القطاعات المستقبلية ذات القيمة المضافة العالية. كما أن استدامة هذا الصعود تتطلب استمرار التوازن بين التطوير التشريعي والتحول الثقافي.
في محصلة نتائج هذا التقرير، نجد أن تمكين المرأة في السعودية هو تحول يتجاوز التوقعات بالفعل. تحول لم يغير موقع المرأة في سوق العمل فقط، بل أعاد صياغة دورها في الاقتصاد والمجتمع. ومع استمرار زخم رؤية 2030 يبدو أن هذا الصعود لم يصل إلى ذروته بعد، بل ما زال في بدايته.