خالد محمد الدوس
في زمن تتسارع فيه التغيرات المناخية وتتفاقم المشكلات البيئية، برز مفهوم «الأسرة الخضراء» كأحد الحلول المنزلية البسيطة والفعالة للمساهمة في حماية كوكب الأرض. هذا النمط الحديث من الحياة يهدف إلى تحويل الأسرة إلى وحدة صديقة للبيئة، تتبنى ممارسات يومية مستدامة بدءًا من ترشيد استهلاك المياه والكهرباء، وصولًا إلى تقليل النفايات وإعادة التدوير..إلخ وهي كحل عملي يبدأ داخل المنزل، وهذا المفهوم البيئي الحديث.. ليس مجرد موضة عابرة، بل فلسفة حياة تحّول سلوكيات الأسرة اليومية إلى وحدة ذات أثر إيكولوجي منخفض، بهدف تقليل البصمة البيئية، وضمان مستقبل أكثر استدامة. بما يتماشى مع رؤية المملكة الطموحة(2030) التي تولي «الاستدامة البيئية» أولوية قصوى ضمن مبادارتها العصرية: مثل «السعودية الخضراء»، و»الشرق الأوسط الأخضر» سعياً لتحقيق التوازن بين التنمية وحماية الموارد الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر إزدهاراً واستدامةً للأجيال القادمة.
وانطلاقاً من أن البيئة تمثل إطاراً حيوياً لحياة الإنسان، وأن الشريعة الإسلامية أولت عناية كبيرة بحمايتها وصون مواردها، وحثّت على عدم الإفساد في الأرض، وترسيخ قيم الاعتدال وترشيد الاستخدام. وفي ضوء التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والعمرانية المتسارعة، وما أفرزته من تحديات بيئية كالتلوث وتغير المناخ والضوضاء واستنزاف الموارد، برزت الحاجة إلى دراسة دور المؤسسة الأسرية بوصفها اللبنة الأولى في بناء السلوك البيئي المسؤول لدى الأفراد.. فقد أجريت مؤخراً دراسة اجتماعية بيئية، بعنوان (إسهام الأسرة السعودية في تعزيز ثقافة المحافظة على البيئة). دراسة ميدانية مطبقة على عينة من الأُسر بمدينة الرياض. أظهرت نتائج هذه الدراسة أن مستوى الممارسات البيئية اليومية لدى الأسُر السعودية جاء في العموم مرتفعاً؛ حيث برز الالتزام بترشيد استهلاك المياه والكهرباء، والتخلص الآمن من النفايات، والحفاظ على النظافة داخل المنزل وخارجه. غير أن بعض الممارسات، مثل تقليل استخدام البلاستيك، والزراعة المنزلية، جاءت بمستوى متوسط، ممـّا يشير إلى وجود فجوة بين الممارسات التلقائية المدفوعة بالعادات، وتلك التي تتطلب وعياً بيئياً أعمق..! كما كشفت النتائج أن الأسرة تؤدي دور واضح في تعزيز القيم والسلوكيات البيئية، خصوصاً القيم المرتبطة بالنظافة، وشكر النعمة، وترشيد الاستهلاك، بينما جاء مستوى الوعي البيئي المعرفي متوسطاً نسبياً؛ إذ يتركز اهتمام الأسرة غالباَ على السلوكيات المباشرة، دون توسّع في المفاهيم البيئية الحديثة مثل الاستدامة وإدارة النفايات وإعادة التدوير. وأمام ارتفاع مؤشرات الآثار السلبية، التي تمخضت من التحديات التكنولوجية والصناعية، وألقت بظلالها على الحياة البشرية، وعلى البيئة الطبيعية المحيطة بها، أصبحت البيئة من القضايا الرئيسة، فنالت اهتماماً كبيراً من العلماء والباحثين والمنظمات الدولية اهتماماً ينطلق من عدة اتجاهات عملياً وثقافياً وأخلاقياً وإنسانياً واجتماعياً، وبالتالي برز مفهوم «الأسرة الخضراء» في علم اجتماع البيئة.. كأحد الحلول المنزلية البسيطة والفعالة للمساهمة في حماية كوكب الأرض من مظاهر التلوث والمشكلات البيئية المعاصرة.
وبالطبع لا يقتصر دور «الأسرة الخضراء» على الجانب البيئي فقط، بل يمتد إلى تعزيز القيم التربوية والاجتماعية. فالأطفال الذين ينشأون في بيئة تهتم بالاستدامة، يكبرون أكثر وعيًا بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية. كما أن العمل الجماعي داخل الأسرة لتحقيق أهداف بيئية، مثل حملات التشجير المنزلية الصغيرة، يقوي الروابط ويدرب على المسؤولية المشتركة..فالمجتمع الأخضر.. يبدأ بأسرة خضراء، والأسرة الخضراء تبدأ بوعي وفعل يومي مستدام. والأكيد أنه في خضم زخم الحياة العصرية، حيث تتصاعد أزمات المناخ وتنضب الموارد، لم تعد «الأسرة الخضراء» ترفًا فكريًا أو موضة عابرة، بل ضرورة وجودية وأخلاقية تبدأ من عتبة البيت.
إن تحول الأسرة إلى كيان بيئي واعٍ ليس مجرد إسهام في إنقاذ الكوكب، بل هو استثمار حقيقي في صحة الأبناء ومستقبلهم. فكل كيلووات من الكهرباء يتم ترشيده، وكل كيس بلاستيكي يتم رفضه، وكل شتلة تُغرس في أصيص المنزل، هو درس عملي في المسؤولية يزرع في وجدان الطفل ليحمله طوال عمره. إن المجتمعات المستدامة لا تُبنى بقرارات القمم العالمية فقط، بل بسلوك يومي بسيط يتكرر في ملايين البيوت. فلتكن (أسرتكم الخضراء).. بداية التغيير، ولتذكر أن الأرض التي نحميها اليوم هي ذاتها التي ستضم أحفادنا غدًا.