زياد الجارد
هل يمكن أن تتوقف التجارة العالمية دون إغلاق أي مضيق؟
الإجابة: نعم، حين ينسحب التأمين.
فالسفن لا تبحر لمجرد أن الطريق مفتوح جغرافيًا، بل لأنها مغطاة تأمينيًا، ومقبولة تشغيليًا، وقابلة للتسليم. وعندما تتغير هذه العوامل، يتغير كل شيء.
ولا يقتصر دور شركات التأمين على تغطية المخاطر، بل يمتد ليكون عاملاً حاسمًا في استمرار سلاسل الإمداد أو تعطلها. وقد أظهرت الأزمات الملاحية الراهنة كيف تحولت أقساط مخاطر الحرب إلى محرك فعلي للقرارات، إذ قفزت في المناطق المضطربة من مستويات منخفضة إلى 1 % من قيمة السفينة، وهو ارتفاع كفيل بتغيير قرار الرحلة بالكامل.
وعند هذه المستويات، قد لا يكون التأمين مجرد تكلفة إضافية، بل عائقاً يمنع الرحلة من الأساس، سواء عبر تقليص التغطية أو إلغائها بالكامل، لتتحول المخاطر من احتمال محسوب إلى قرار توقف، حتى وإن ظل الطريق مفتوحاً جغرافيًا.
وذلك كما حدث عندما أعادت شركات الشحن الكبرى توجيه سفنها بعيداً عن البحر الأحمر رغم بقاء الممر مفتوحاً.
وهذا ما يفسر كيف يمكن أن تتراجع حركة الناقلات خلال ساعات، دون إعلان رسمي بإغلاق أي ممر، ولماذا تتأثر مسارات بعيدة رغم البعد الجغرافي. فالنظام اللوجستي العالمي يعمل كشبكة مترابطة، وأي توتر في منطقة محورية ينعكس على بقية المسارات، ليس بالضرورة عبر القوة، بل عبر تقدير شركات التأمين للمخاطر، وسلوك السوق.
لكن الأهم من ذلك أن الأزمات لا تُدار فقط من زاوية الخسائر، بل من زاوية إعادة توزيع وتعظيم المكاسب. فارتفاع تقييم المخاطر عالميًا يمنح ميزة نسبية لأطراف على حساب أخرى، ويعيد تشكيل موازين السوق البحري.
ومن هنا، يمكن فهم أن بعض الأطراف قد لا تصنع الأزمة، لكنها تجيد الاستثمار فيها، وإعادة توجيه حركة الأسواق، أو الاستفادة من تحولات سلاسل الإمداد.
الخلاصة أن ما نشهده اليوم قد لا يكون إغلاقًا تقليديًا للممرات، بل امتدادًا لنمط رأيناه سابقًا في اضطرابات سلاسل الإمداد، ولكن بوتيرة أشد وأثر أوسع.
والمفارقة أن قطاع سلاسل الإمداد، رغم صلابته، يُعد سريع الاستجابة للمخاوف حتى غير المبررة منها وذلك بحكم ارتباطه الوثيق بقطاع التأمين وتقييم المخاطر.
وربما، في خضم هذه التحولات، تبرز فرص جديدة لمراكز لوجستية قادرة على تقديم بدائل أكثر استقرارًا وأمانًا في أوقات عدم اليقين.
وقد برزت المملكة العربية السعودية كنموذج عملي لكيفية التعامل مع هذه الاضطرابات، حيث أسهمت مرونة بنيتها اللوجستية لا سيما في ميناء جدة الإسلامي ومنظومة السكك الحديدية في استيعاب تدفقات إضافية وإعادة توجيهها، بما خفَّف من أثر تعطّل بعض المسارات التقليدية، ودعم استمرارية الإمدادات لدول الخليج والعالم، خصوصًا في قطاعات حيوية كالطاقة والتجارة.