مرفت بخاري
ليست كل العلاقات تُتعبنا لأننا لم نجد الشخص المناسب، بل لأننا في كثير من الأحيان نُعطي في الاتجاه الخطأ، ونُصرّ على البقاء رغم وضوح ما يحدث، نظن أن الراحة مسألة حظ، وأنها مرتبطة بوجود شخص مختلف، بينما الحقيقة أن الراحة قرار يبدأ من الداخل، من طريقة فهمنا لأنفسنا، وما نقبله وما نرفضه.
نبدأ بالتعب حين نبالغ في التبرير، نُعيد تفسير الغياب، نلتمس الأعذار للبرود، ونُقنع أنفسنا أن ما نشعر به ربما مجرد سوء فهم، لكن الاهتمام الحقيقي لا يحتاج إلى كل هذا الجهد لتفسيره، هو واضح بطبيعته، حاضر دون استعطاف، ولا يضعنا في حالة انتظار دائم، وعندما نجد أنفسنا نشرح ونحلل أكثر مما نعيش، فهذه إشارة مبكرة أن هناك خللًا نحاول تجاهله.
وفي لحظة ما، نكتشف أننا لا نحب فقط، بل نحاول أن نُنقذ، نمنح بدافع الاحتواء، نصبر بدافع الأمل، ونؤجل احتياجاتنا لأننا نعتقد أن الطرف الآخر سيتغير، ومع الوقت، نُستنزف دون أن نشعر، ونجد أننا نحن من أصبح بحاجة إلى من يُنقذنا، فالحب لا يُفترض أن يكون مشروع إصلاح، ولا مساحة نُثبت فيها قدرتنا على التحمل، بل علاقة متوازنة تُشبه الأخذ والعطاء، لا التضحية المستمرة.
الغموض أيضًا يلعب دوره بصمت، حين تتحول العلاقة إلى مساحة أسئلة، وحين نُصبح عالقين بين “ربما” و”لعل”، نفقد الشعور بالأمان تدريجيًا، العلاقات الصحية لا تُربكنا بهذا الشكل، لا تجعلنا نقف في منتصف الطريق نحاول فهم ما لا يُقال، ما هو واضح يمنحنا راحة، وما يُتعبنا في تفسيره غالبًا لا يستحق كل هذا الجهد.
ومع ذلك، نستمر أحيانًا بدافع المشاعر، متناسين أن التوازن أهم من الحب نفسه، حين يكون العطاء من طرف واحد، يتحول الحب إلى عبء، ويتحوّل الانتظار إلى عادة مرهقة، لا يُفترض بالعلاقة أن تكون سباقًا في من يُقدّم أكثر، بل مساحة يلتقي فيها الطرفان في المنتصف دون استنزاف.
يبقى شعورنا هو المؤشر الأصدق، الكلمات قد تكون جميلة، والوعود قد تبدو مقنعة، لكن الإحساس الذي يتركه الشخص داخلنا لا يكذب، إن كنا نشعر بالراحة، بالخفة، بالاطمئنان، فهذه علامة على اتجاه صحيح، أما إذا كان القلق حاضرًا، والتفكير لا يتوقف، والتحليل يستنزفنا، فهذه ليست علاقة مريحة مهما حاولنا تجميلها.
أخطر ما قد نفعله بأنفسنا ليس الوقوع في علاقة غير مناسبة، بل الاستمرار فيها بعد أن تتضح حقيقتها، نرى الإشارات، نشعر بعدم الارتياح، لكننا نؤجل القرار، نمنح فرصًا إضافية، ونقنع أنفسنا أن القادم أفضل، بينما الحقيقة أن الراحة تبدأ حين نُصدّق إحساسنا من المرة الأولى، لا بعد أن نتألم مرات عديدة.
نحن وبكل أمانة، لا نحتاج حبًا أكثر بقدر ما نحتاج وضوحًا أكثر، ولا نحتاج أن نتحمل فوق طاقتنا، بل أن نعرف متى نتوقف، فالراحة ليست في العثور على شخص مثالي، بل في أن لا نقبل بعلاقة تُفقدنا أنفسنا ونحن نحاول الحفاظ عليها.
ليست المشكلة في أن نشعر بالألم أو الارتباك داخل العلاقات، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع هذا الشعور، حين نحاول إنكار ما نراه بوضوح أو نُصرّ على تبرير ما يؤذينا، فإننا لا نُوقف الألم بل نُبقيه مستمرًا بصمت، أما حين نواجه الحقيقة كما هي، ونُقرّ بما نشعر به دون مقاومة أو إنكار، يبدأ التحول الحقيقي داخلنا، يتحول التعلق إلى وعي، والحيرة إلى وضوح، والاستنزاف إلى قرار.
وهنا تتجلى بعمق مقولة كارل يونغ
“ما تقاومه يستمر، وما تقبله يتحول”.
فما نرفض الاعتراف به يظل يكرر نفسه في حياتنا، أما ما نراه بصدق ونقبله بوعي، فهو وحده القادر على أن يتغير.