وائل العتيبي - جدة:
تُعدّ المنتجة والسيناريست السعودية أمل الحجار من الأسماء الصاعدة في المشهد السينمائي المحلي، حيث تبرز ضمن جيل جديد من صُنّاع المحتوى الذين واكبوا التحول الكبير الذي يشهده القطاع السينمائي في المملكة خلال السنوات الأخيرة.
تنطلق الحجار في تجربتها من وعيٍ بأهمية بناء صناعة سينمائية تعكس الهوية الثقافية السعودية، وتجمع بين الطرح الفني والبعد المهني، مع حضور لافت في مشاريع إنتاجية وسينمائية تعكس هذا التوجه. في هذا الحوار، نسلّط الضوء على رؤيتها لتطور الصناعة، والتحديات التي تواجه المنتجين، وكيف ترى مستقبل السينما السعودية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الثقافي والإعلامي.
* كثير من المنتجين يقولون: إن الإنتاج السينمائي حلم جميل... حتى يبدأ التنفيذ. متى تحوّل الحلم عندكِ إلى «اختبار صبر» فعلي؟
- أثناء العملية الإنتاجية، يعيش المنتج حالة حالمة بكل تعبها اللذيذ، حتى يغدو الفيلم جاهزًا للعرض. هنا تتبدل الأحوال.
الاختبار الحقيقي يبدأ مع مرحلة التوزيع، فتقف النفس أمام مفترق طريقين: الثبات والصبر والمقاومة، أو الاستسلام والعزوف.
وأعرف كثيرًا من المنتجين بلغوا مرحلة من اليأس، فاضطروا بعدها إلى الانسحاب.
والحمد لله أنني أملك نفسًا طويلًا... إلى الآن.
* ما أصعب موقف واجهكِ في كواليس الإنتاج: أزمة تمويل، اختلافات إبداعية، أم مفاجآت لا يمكن توقعها أصلًا؟
- لم أواجه أزمة تمويل في كل الأعمال التي أنجزتها؛ فيلم «هجير» كان من تمويلي الخاص، وفيلم «فيلا 54» كان من تمويل سعادة السفير السابق أمين كردي. فالتمويل كان حاضرًا دائمًا، إما من جيبي أو من أيدٍ تؤمن بما أصنع.
كل فيلم يحمل وجعه، لكن الأوجاع تموت حين نعبرها. المشكلة تنتهي حين تُحل.
الخلاف في الرؤية الفنية ليس خطرًا، بل دليل حياة. الفن يكبر بالنقاش.
لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين تمتد يد لا تعرف ولا تملك خبرة... هنا تكمن الطامة الكبرى، فتُفسد ما تعب في بنائه أهل الخبرة.
* لو عدنا لأول مشروع إنتاجي لكِ... هل كانت النتيجة أقرب لما تخيلتِيه أم أن الواقع «عدّل السيناريو» بالكامل؟
- المشروع الأول كان من أجمل التجارب في حياتي... خفقة القلب الأولى وما حققته فاق ظني حينها، فمنحني فرحًا لا يشبهه فرح.
والنتيجة، بوجهة نظري في ذلك الوقت، كانت أفضل مما توقعت.
الآن، أصبح سقف توقعاتي أعلى، ومن المؤكد أن النضج الفني سيلقي بظلاله على الأعمال القادمة، لأن الفنان حين ينضج، تنضج أعماله معه.
* هل شعرتِ في أي مرحلة أن كونكِ منتجة سعودية في سوق سريع التغير هو ميزة... أم عبء إضافي؟
- ليست حملًا ثقيلًا، بل شرفٌ يُحمَل. هي مسؤولية تضعكِ أمام سباق لا يهدأ، ولا يمكن القول إنها عبء، وفي الواقع لا أحبذ استخدام هذا المصطلح. هي مسؤولية أكثر، وتحدٍّ لمواكبة هذه السرعة.
أعتبر نفسي من المحظوظات لأنني جزء من هذه الانطلاقة السينمائية. وهذا التغير يندرج تحت التطور، فالجمهور وحش لا يمكنك إلا الانصياع له، وإلا فسوف يبتلعكِ.
* كم مرة اضطررتِ لتغيير رؤية فنية لأن الواقع الإنتاجي كان أكثر صرامة من الطموح الإبداعي؟
- كثير، لكنني لم أغيّر الرؤية، وإنما وضعتها في درج الأمنيات التي تنتظر التحقق إلى أن يشاء الله. فأحلام كثيرة لم تتحقق بعد، لكنني لم أتخلَّ عنها. أغلقت عليها في درج القلب تنتظر وقتها، لأن الرؤية الصادقة لا تموت، قد تتأخر لكنها لا تتبدل، وإنما قد تؤجل.
النجاة من الطريق تعني الاستسلام والابتعاد، وأنا لست ممن يرفعون الراية البيضاء، فالمقاومة طبعي والنضال سمتي.
أما بالنسبة لمقياس النجاح فهو نسبي؛ أن تنتج فيلمًا بميزانية مقبولة وتخرج به للعالم، هو نجاح في حد ذاته وذلك انتصار يكفي.
* ما أكثر جملة قيلت لكِ في الكواليس وعلقت في ذاكرتكِ: تشجيع غير متوقع أم نقد صادم؟
- كلمة واحدة تسندني منذ البداية: «أنتِ قدها». ولا أخاف من مواجهة النقد الصادق، ولا أعتبر النقد الموضوعي صادمًا، فأنا مستعدة لسماعه. أسمعه بقلب مفتوح، لأنه ليس حجرًا في طريقي، بل بوصلة تصحح اتجاهي ودافع لتعديل المسار.
* هل تعتبرين أن تجاربكِ الإنتاجية حتى الآن نجاح واضح... أم أنها «نجاح قيد التشكّل» كما في السينما نفسها؟
- بالطبع، ما زلت في مرحلة تشكيل هوية «أمل» الفنية... أو بمعنى آخر، هي مقدمة الكتاب، ولا يزال المحتوى الحقيقي الذي أطمح إليه قيد التدوين. لكن ربما أكون قد نجحت في لفت الأنظار إلى ما أقوم به، مما جعل الناس تلتفت وتنتظر الفصول القادمة.
* كيف تصفين تجربتكِ في المهرجانات؟
- أعتقد أنني محظوظة للغاية، لأن فيلمي كسر جدارًا بيننا وبين العالم. خاصة حين شعرت أنني أزلت الحدود الثقافية من خلال الفيلم، حين رأى الأجانب جدة القديمة في المهرجانات، انبهروا وسألوا عن السعودية وتاريخها وأهلها وفنها، وطرحوا أسئلة عميقة عن السعودية وعاداتها وتقاليدها، فوجدت نفسي أشرح ما كان غائبًا عنهم. هنا أدركت أن السينما رسالة، وأن حملي لها كمنتجة يجعل دوري أكبر من مجرد صناعة فيلم، بل هو تعريف العالم بنا، وتصبح رسالة السينما على عاتقي كمنتجة أبلغ وأسمى.
* من هم شركاء النجاح في تجربتكِ؟ يبرز اسم الكاتب عبده خال، وخالد الحربي.. وأسماء أخرى.. كلمينا عنهم بإيجاز.
- أولهم عائلتي، هم الشركاء الحقيقيون الذين ساهموا فعليًا في وصولي إلى ما أنا عليه اليوم.
الأستاذ عبده خال آمن بي ومنحني ثقة تحويل حبره إلى صورة، وكان له دور مهم في إبراز اسم أمل الحجار، من خلال عقد لإحدى رواياته لتقديمها بشكل درامي، وكان لديه إيمان شديد بأنني قادرة على إبراز أحداث روايته بما يتفق مع رؤيته.
الأستاذ والأخ خالد الحربي، الفنان الحقيقي، كان في كثير من الأحيان يوجه دفة قيادتي من خلال نصائحه التي ساهمت في تجاوز الكثير من العقبات، لذلك أنا ممتنة له كثيرًا.
ومن الأسماء المهمة التي كان لها دور في انطلاقتي، المنتج أيمن جمال، الذي قدم الكثير من الدعم في بداياتي في هذا العالم الساحر، وحين كنت في أول الطريق.