محمد البهيدل
يقولون في كرة القدم إن النتائج تغطي العيوب، ولكن في الهلال، وصلت العيوب إلى حدٍ لم تعد تسترها أنصاف الانتصارات ولا سلسلة اللاهزيمة الجوفاء.
ما يحدث اليوم داخل أروقة البيت الهلالي ليس مجرد هبوط عابر في المستوى، بل هو عملية طمس ممنهجة لهوية فنية عريقة، يقودها الإيطالي سيميوني إنزاغي ببرود تكتيكي، وتباركها إدارة غائبة عن المشهد الرقابي، ليجد المشجع الهلالي نفسه أمام فريق لا يخسر رقمياً، لكنه يحتضر فنياً وشغفاً.
في عالم كرة القدم، الأرقام صماء، والنتائج قد تكون أحياناً أكبر كذبة يصدقها أصحاب القرار.. ما يعيشه الهلال اليوم تحت قيادة الإيطالي سيميوني إنزاغي هو تجسيد حي لهذه الخديعة؛ فخلف ستار اللاهزيمة والنتائج التي تبدو متماسكة في ظاهرها، يقبع فريقٌ جُرد من هويته، وطُمست ملامحه الفنية، وبات يقدّم كرة قدم لا تمت لتاريخ الزعيم بصلة. نحن لا نتحدث عن كبوة جواد، بل عن «تيه فني» ناتج عن تراكمات وأخطاء إدارية كارثية تحتاج إلى علاج ناجع يصل إلى حد البتر والاستئصال قبل فوات الأوان.
فخ «اللاهزيمة» والسيناريو المستفز
منذ متى كان الهلال يقتات على أنصاف الحلول؟ إن استمرار الفريق في سجلات اللاهزيمة لا ينبغي أن يعمي الأبصار عن الحقيقة المرة: الهلال الحالي مريض فنياً. إنزاغي يسير بالفريق نحو الهاوية عبر نهج تكتيكي عقيم، يفتقر للإبداع ويقوم على قتل الوقت بدلاً من قتل المباراة.. الأمر الأكثر استفزازاً للمدرج الهلالي هو العناد الذي يمارسه المدرب؛ فهو يصر على الدخول بنفس الأسماء المستهلكة، وبذات الأوراق التي باتت مكشوفة لكل الخصوم.
يقبع البدلاء على الدكة وكأنهم تكملة عدد، بينما يظل المشجع الهلالي تحت ضغط السيناريو المقلق طوال التسعين دقيقة، يضع يده على قلبه خوفاً من مرتدة أو هفوة، بعد أن كان الهلال هو من يفرض الرعب والسيطرة.
أين «تيكي تاكا» الهلال؟
لقد عوّد الهلال محبيه والمتابعين على أن كرة القدم فنٌ واستحواذ ومتعة بصرية في التحولات ولعب العرضيات والكرات الثابتة والتمريرات القصيرة والطويلة.. كانت الهوية الهلالية تكمن في الاستحواذ الإيجابي، وتناقل الكرة بسلاسة تامة تتجاوز العشرين تمريرة، تنتهي أغلبها في شباك الخصوم كلوحة فنية رسمت بعناية فائقة..
اليوم، ضاعت هذه الهوية تماماً؛ حلّ البطء مكان السرعة، والتشتت مكان التركيز والفوضى الفنية والعك الكروي مكان تغيير اللعب ولعب الكرات بدقة خلف المدافعين.. الهلال الآن يسير تحت رحمة اجتهادات فردية لنجوم يمرون بأسوأ فتراتهم الفنية وغياب او تغييب الأفضل بشكل غريب مريب..
انظروا إلى الفرنسي كريم بنزيما؛ النجم الكبير وصاحب «البالون دور» بات يظهر بمستوى متواضع جداً، وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة على حافة الإفلاس الفني، والفرنسي قادر ميتي اللاعب صغير السن لم يأخذ فرصته الكاملة على الرغم من أن الدقائق القليلة التي لعبها تنبئ بأن لديه مايقدمه للفريق.. وبجانبه البرازيلي مالكوم أوليفيرا، الذي أصبح يتفنن في قتل الهجمات الواعدة بكل برود، وكأن شغف التسجيل قد فارقه والنجم المتألق سلطان مندش حبيس دكة البدلاء.
حتى «الكابيتانو» والأسطورة الآسيوية سالم الدوسري، يبدو تائهاً في أرض الملعب، فاقداً للبوصلة التي كانت تقود الهلال لمنصات التتويج والبديل الأفضل الفرنسي الصغير سيموني بوابري دائما مستبعد من قائمة الفريق.
صمت الإدارة.. الشريك الصامت في التدهور
كل هذا التخبط الفني والانهيار في الهوية ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج مباشر لأخطاء إدارية واضحة.. أين الإدارة من مناقشة إنزاغي في هذه التخبطات؟ لماذا يُترك الحبل على الغارب لمدرب يقتل شغف الجماهير تدريجياً؟..
أين الادارة الهلالية من صوت الجمهور المتعالي بوعي ومطالباتهم المستمرة بالتغيير واحتراقهم في كل جولة وفي كل مباراة ؟!.. إن الهبوط الحاد في مستوى الفريق بالكامل يضع إدارة سمو الأمير نواف بن سعد أمام تساؤلات مشروعة وقاسية..
إن مكانة سموه لدى الجمهور الهلالي باتت على المحك؛ فالصمت المحيط بالكوارث الفنية التي تحدث في خارطة الفريق لا يمكن تفسيره.. الجماهير لا تريد وعوداً، بل تريد حراكاً إدارياً يفسر هذا الانكسار وهذه التخبطات وهذا العناد وهذا السوء غير المبرر من معظم النجوم.
لقد بدأ الشغف يموت منذ الخروج الآسيوي المؤلم، مروراً بالترنح في الدوري المحترف، وصولاً إلى كابوس احتمالية خسارة نهائي كأس الملك أمام فريق الخلود الطموح.
الدوري على كف عفريت
المدرج الأزرق لا يحتمل أي هفوة في الأمتار الأخيرة من الدوري ونهائي كأس الملك أو حتى في مباراة ودية تحضيرية.. العيون كلها تراقب الصدارة، وتنتظر بشغف تعثراً وحيداً للمتصدر فريق النصر، ولو بالتعادل، لعل وعسى أن يعود الهلال للمنافسة.. ولكن، كيف نأمل في تعثر الآخرين ونحن لا نملك القدرة على حسم مبارياتنا بإقناع؟..
إن ما يحدث في الهلال حالياً هو قتل للشغف بدم بارد وتحطيم للآمال والطموح وتعتيم لصورة الزعيم المشرقة تاريخياً.. إذا لم تتدخل الإدارة وبقوة لانتشال الفريق من براثن نهج إنزاغي، وإذا لم تكن هناك محاسبة حقيقية للنجوم الذين استمرأوا الهبوط في المستويات، فإننا سنكون أمام نهاية موسم مأساوية ستكلف الهلال الكثير والكثير والكثير!.
إنها صرخة من قلب المدرج: الهوية الهلالية تُطمس.. فمن ينقذ الزعيم قبل فوات الأوان؟.