د. عبدالحق عزوزي
هناك عدة شروط يجب أن تقوم عليها الجامعة المعاصرة، وسنرى في هاته المقالة بعضا من الشروط، وهي متعلقة بضرورة تكتل التعليم العالي، تقدم تكنولوجيا المعلومة والاتصال، وأخيرا تسويق المعارف:
- تكتل التعليم العالي: فإنشاء برامج ومشاريع ومعارف موحدة، هو مما قد يشكل نقلة نوعية في مجال خلق أرضية مشتركة للتكوين والبحث العلمي، وكذا آلية مهمة لترشيد الموارد المادية والبشرية؛ ولا يخفى على أحد كما تكتب آية عبد الله أحمد النويهي الدور الهام الذي تلعبه الجامعات في تحريك التنمية لأن الجامعات هي أرفع المؤسسات التعليمية حيث يلعب البحث والتطوير الذي تنفذه الجامعات ومؤسسات التعليم العالي دورا أساسيا في منظومة البحث والتطوير في أي بلد من البلدان التي تنشد الرقي والتقدم، مما يتطلب تعاونا وثيقا بين الجامعات والمؤسسات المختلفة للوقوف على قدرات الجامعات العلمية والتقنية من جهة، والتعرف على حاجات مؤسسات المجتمع المختلفة بعامة، والمؤسسات الإنتاجية بخاصة من جهة أخرى، بهدف تحديد مسارات بحثية واضحة يمكن أن تسهم برقي وتقدم مجتمعاتها، والتنسيق فيما بينها لتحقيق غايات وأهداف مشتركة، تعود بالفائدة والمنفعة على جميع الأطراف ذات العلاقة, ومن هذا المنطلق فقد أولت الجامعات في الدول المتقدمة برامج البحث والتطوير اهتماما خاصا، وذلك بتوفير البيئة العلمية المناسبة التي يمكن أن تنمو فيها البحوث العلمية وتزدهر، ورصدت لهذا الغرض الأموال اللازمة لتوفير الأجهزة المختبرية والمعدات العلمية التي يحتاجها الباحثون بتخصصاتهم المختلفة، ولا عجب في ذلك فالبحث العلمي يعد إحدى أهم وظائف الجامعات الأساسية، فبدون بحث علمي تصبح الجامعة مجرد مدرسة تعليمية لعلوم ومعارف ينتجها الآخرون، وليس مركزا للإبداع العلمي وإنماء المعرفة وإثرائها ونشرها والسعي لتوظيفها لحل المشكلات المختلفة التي يواجهها المجتمع..
ولا غرو أيضا أن تكتل التعليم العالي كما يشير إلى ذلك ريتي شهيم هو الذي حول بشكل عميق بنية التعليم العالي خلال العقدين الأخيرين. وأفضل إجابة على ذلك هو تنويع التعليم (الخصوصي، كلية المجتمع community college، عبر الخط on-line)، أما الحل الآخر فهو جعل حركية الطلاب مرنة داخل النظام التربوي أو بين مختلف الدول والمناطق. غير أن هذا التحول يطرح تساؤلا جوهريا مرتبطا بالحفاظ على جودة الجامعات وباقي مؤسسات التعليم العالي الأخرى. هناك وسيلة أخرى للتقليل من الفوارق بين الجودة والكمية في التعليم العالي، وهي القيام بدراسات قبلية لمعرفة حاجيات السوق، ومن ثم وضع البرامج التعليمية الملائمة. لكن هل الجامعة مكان يتعلم فيه الطلاب طريقة التفكير أو مكان لاكتساب القدرات لولوج سوق الشغل بعد ذلك؟ إنه السؤال الفلسفي الأساسي الذي يطرح نفسه. وهنا أيضا، على الجامعة أن تحدد مسبقا وبوضوح رؤيتها ومهمتها. وعلى العموم تطرح الجامعة سؤالين بسيطين على نفسها: من نحن ؟ وماذا نفعل ؟
- تقدم تكنولوجيا المعلومة والاتصال: شهد النصف الثاني من القرن العشرين ثورة الاتصال الخامسة حيث يمكن تمييز تطور الاتصال من خلال خمس ثورات أساسية، تتمثل الثورة الأولى في تطور اللغة، والثورة الثانية في الكتابة، واقترنت الثورة الثالثة باختراع الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر على يد العالم الألماني غوتنبرغ، وبدأت معالم ثورة الاتصال الرابعة في القرن التاسع عشر من خلال اكتشاف الكهرباء والموجات الكهرومغناطيسية والتلغراف والهاتف والتصوير الضوئي والسينمائي، ثم ظهور الراديو والتلفزيون في النصف الأول من القرن العشرين، أما ثورة الاتصال الخامسة فقد أتاحتها التكنولوجيا في النصف الثاني من القرن العشرين من خلال اندماج ظاهرة تفجر المعلومات وتطور وسائل الاتصال وتعدد أساليبه.. ولقد زلزل تقدم تكنولوجيا المعلومة والاتصال مناهج التعليم والتعلم، حيث أصبح من الصعب على أستاذ الجامعات العصرية، غير الملم بالتقنيات الجديدة للتواصل مثل iTune ، second life، Youtube أو الدروس المجانية عبر الخط مثل MIT Open courseware أو edX أو khan Academy، أن يتماشى مع طلاب هم على دراية كبيرة بوسائل الإعلام الاجتماعية. علاوة على ذلك، فاللغة المهيمنة على مواقع الإنترنيت هي الانجليزية (57 في المائة)، متبوعة بشكل بعيد باللغات الأخرى: الألمانية (6,5 في المائة)، والروسية واليابانية والإسبانية والصينية (4 و5 في المائة) وأخيرا الفرنسية بنسبة (3,9 في المائة). وهذه أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها الجامعات الحديثة النشأة وتتمثل في إقامة أرضية تكنولوجية تمكن الطلاب والأساتذة من الوصول إلى المعارف المتوفرة والمجانية. وهكذا، يمكن للأساتذة التحرر من قيد إعادة خلق الدروس، وبالتالي استغلال وقتهم في تدريب الطلاب بدل إغراقهم بمعلومات متوفرة في الإنترنيت.
- تسويق المعارف: يجب أن يكون تسويق المعارف من أحد أهداف الجامعة، وهاته الثقافة للأسف الشديد هي غائبة في العديد من البلدان العربية، فالثلاثية جامعة – حكامة – صناعة، هي التي تبني الأمم الغربية وتقوي صناعاتها وتساهم في بناء الحاضر والمستقبل.
هاته إذن الشروط المهمة والهادفة التي يجب أن تقوم عليها الجامعة، كقطب رئيسي وأول في خدمة وبناء وتطوير المجتمع، وهي كما يمكن أن يرى كل متتبع لبيب، الشروط التي تقوم عليها الجامعات الغربية والتي منها بلورت كل الصناعات الحديثة ومنها تخرج أصحاب جوائز نوبل والمبدعون وأصحاب الاختراعات المتتالية، وبدونها تبقى الجامعة مؤسسة عديمة النفع قائمة على التلقي والحفظ واجترار ما سطره الأولون والآخرون.