د.محمد بن عبدالرحمن البشر
منح الله الإنسان أدوات للتعبير عما في نفسه، وما صنعه فكره، وكانت اليد أداة من أدوات التعبير تلك، فقد ترك لنا الاوائل رسوما لما يشاهدونه في الطبيعة من حيوان وشجر وحجر، أو على جدران في أماكن بعيدة عن عوامل التعرية مثل: جدران الكهوف أو جدران القبور كما هي الحال عند ملوك مصر القدماء، أو البيوت المحفورة في الجبال، أو التي في هضاب الصحراء البعيدة عن الرطوبة وغيرها، كما هي في الصحراء الكبرى.
وكان أقدم وأشرف ما وصل إلينا مكتوبا على جلد غزال تلك الصفحتين من القرآن الكريم التي وجدتها الطالبة أملي التي كانت تحضر الدكتوراه في جامعة بيرمنجهام وفيها بعض الآيات من سورة الكهف ومريم، تُأكد أنها قد كتبت في عشرين للهجرة.
في أماكن معينة لاسيما تلك التي قد تجلت فيها الحضارة قديما، مثل العراق، ومصر، واليونان، و سوريا، واليمن، والهند، والصين، استنبط أولئك القوم حروفاً استطاعوا بها تدوين فكرهم، وسطروه على الصخور، أو ورق البردى، أو جلود الغزال والماعز، وبقي محفوظة عليها حتى تمت صناعة الورق وانتشرت، فنقل نتاج ذلك الفكر إلى صفحات الكتب، ووصل القليل منها إلى زماننا، واندثر الكثير، وضاعت كنوز معرفية في معظم أقطار المعمورة.
في مناطق معينة من هذا العالم الفسيح كان اللسان هو أداة نقل الافكار، والذاكرة خازنتها، تتناقلها الأجيال عبر الزمن، فتم حفظ الكثير من التاريخ والمواقع والوقائع والأسماء و العبادات، وكان النثر الجميل في اللغة العربية والذي صيغ بمحسنات بلاغية قد تناقلته الألسن عبر الزمن لأنه أيسر للحفظ، مثل خطب قس بن ساعدة الإيادي، وقد وصلنا نموذجاً منها كان محفوظا في صدور الرجال، ومنها:
(أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، و أوراق وأقوات، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ان في السماء لعبراً، وان في الأرض لعبراً، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا فقاموا أم تركوا فناموا، إلى أن قال شعرًا:
في الذاهِبينَ الأَوَّلينَ
مِنَ القُرونِ لَنا بَصائِر
لَمّا رَأَيتُ مَوارِداً
لِلمَوتِ لَيسَ لَها مَصادِر
وَرَأَيتُ قَومي نَحوَها
تَمضي الأَصاغِرُ وَالأَكابِر
لا يَرجِعُ الماضي وَلا
يَبقى مِنَ الباقينَ غابِر
أَيقَنتُ أَنّي لا مَحالَةَ
حَيثُ صارَ القَومُ صائِر
هذا النثر والشعر الجميل والمعبر، حفظ في الصدور حتى حان الوقت الذي كتب في السطور، ولولا جمال سبكه، وقوة معناه، لما بقي حتى اليوم الحاضر، كما وصل الشعر الجاهلي الذي كتب قليله وعلق على استار الكعبة، وكثيره حفظ ثم سطر، لأنه بديع الصياغة عميق المعنى، ولن نلتفت للمشككين فيه من المستشرقين، والذين تلاهم بعض الأدباء مثل طه حسين إقتداءاً بهم، ومن الشعر الجاهلي قول عنترة:
حَسَناتي عِندَ الزَمانِ ذُنوبُ
وَفَعالي مَذَمَّةٌ وَعُيوبُ
وَنَصيبي مِنَ الحَبيبِ بِعادٌ
وَلِغَيري الدُنُوُّ مِنهُ نَصيبُ
وهناك الكثير من هذا الشعر الجميل الذي حفظ في الصدور لعنترة وغيره من السابقين للإسلام مثل زهير، طرفة، والملتمس، ولبيد، والأعشى، وحاتم، وغيرهم كثير.