الصادق جاد المولى
في تجارب الرجال ما يلفت الأبصار، وفي تجارب الكبار ما يستوقف البصائر؛ وبينهما مسافة يعرفها من خبر أحوال الأمم، وتأمل كيف تصعد الدول حين تجد في قيادتها من يقرأ اللحظة قراءةَ من يرى ما وراءها، ويعامل الأيام معاملةَ الثروة المصونة، والفرصة الموقوتة، والأمانة التي لا تحتمل الغفلة. ومن هذا الباب يلوح سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في صورة تستحق عناية أوسع من الصحافة، لأنها تمس جوهر التحول السعودي: علاقته بالوقت، وكيف صار الزمن في عهده موردًا وطنيًّا عزيزًا، له هيبته، وله حسابه، وله مكانته في مشروع الدولة.
كثيرة هي الكتابات التي انشغلت بالمشروعات الكبرى، والأرقام المتصاعدة، والخرائط التي تتبدل، والقطاعات التي خرجت من طور إلى طور. تلك وجوه ظاهرة من الحكاية، أما الوجه الأعمق فهو أن المملكة دخلت عهدًا جديدًا صارت فيه السنة وحدةَ قياسٍ للعمل، وصار الموعد ميثاقًا، وصار الإنجاز ابن توقيته، كما يكون الحصاد ابن موسمه، وكما يكون الماء حياةً حين ينزل في أوانه، والعرب قالت قديمًا:
لكل شيء أوان..
ومن فقه الأوان يجيء فقه الدولة حين تعرف متى تبدأ، ومتى تسرّع، ومتى تراجع، ومتى تحسم.
ولعل هذا المعنى وحده هو الذي يستحق أن يُقرأ بعين المتأمل، لأن الدول لا تُبنى بالحماسة وحدها، ولا تقوم على الرغبات المعلقة في الهواء، إذ أن الدولة بناءٌ منضبط له إيقاع وسُلَّم، وله رجال يعرفون أن الفارق بين الأمنية والنتيجة هو هذا الخيط الدقيق الذي اسمه حسن إدارة الوقت، ومن يرقب المشهد السعودي خلال الأعوام الأخيرة يدرك أن محمد بن سلمان أمسك بهذا الخيط القوي، وأدخله في صلب الرؤية والعمل والمؤسسة والقرار.
وقد عرفت العرب منزلة الزمن قبل أن تتكاثر على الدنيا تعقيداتها الحديثة، فلقد كانت أمةَ سفرٍ ومواسم، تعرف للنجم ميعاده، وللقافلة مسيرها، وللسوق موعدها، وللمطر حسابه، وللزرع ساعته، ولهذا خرجت أمثالهم محملة بخبرة العيش والتدبير فقالوا:
إذا هبّت رياحك فاغتنمها
وهذا مثل لو شاء كاتب أن يضعه عنوانًا لمرحلة التحول في المملكة لما جاوز المعنى، ففي زمنٍ تتقلب فيه خرائط القوة، وتتنافس الأمم على التقنية والمعرفة والاستثمار والنفوذ، اختارت المملكة أن تكون صاحبة يدٍ على مقود الزمن تعرف متى تقتحم، ومتى توسع الميدان، ومتى تُدخل إلى حاضرها ما كان في الأمس من شؤون الغد.
ومن الجوانب التي تستحق التوقف أيضًا أن سمو ولي العهد أعاد الاعتبار إلى كلمة عظيمة في تراثنا السياسي والاجتماعي، وهي كلمة العمران وهو في وجدان العرب أوسع من جدران الطرقات وأبراج المدن، فهو حياة تسري في المكان وثقة تسري في الناس، وقدرة على أن يتحول الجهد الفردي إلى معنى عام، ولقد جعل ابن خلدون العمران مرآة الدولة لأن حيوية الأمم تُرى في قدرتها على البناء المادي والمعنوي معًا، ومن يتأمل التجربة السعودية يجد أن التحول لم يتجه إلى هندسة المشهد الحضري وحدها، فقد اتجه إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان ووطنه، وبين الشاب ووقته، وبين الطموح الشخصي والأفق الوطني الكبير.
وهنا يجيء وجه محمد بن سلمان الأكثر عمقًا: أنه حمل الزمن من خانة الانتظار إلى خانة المشاركة، إذ لم يعد المستقبل كلمةً بعيدة تقيم في الخطب بقدر ما صار بابًا يُفتح كل صباح في التعليم، والعمل، والاستثمار والثقافة والسياحة والتقنية وجودة الحياة، وصارت الأجيال الجديدة ترى في أعمارها ساحة للفعل لا ممشى طويلًا للأماني المؤجلة، وهذه نقلة يندر أن يصنعها خطاب، وتصنعها القيادة حين تتحول الرؤية في يدها إلى مناخ عام، وإلى أخلاق عمل وإلى ذائقة وطنية جديدة تحترم الساعة وتجلّ الالتزام، وتعدّ الإنجاز صورةً من صور الوفاء.
وفي الشعر العربي ما يضيء هذا المعنى يقول المتنبي:
على قدرِ أهلِ العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
وهذان الشطران من عيون ما قيل في طبائع الكبار لأن العزم هنا ليس نزوةً عابرة ولا صوتًا مرتفعًا، وإنما قدرة على حمل المقاصد الثقيلة، والسير بها في الأرض حتى تصير أثرًا يراه الناس، ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحول السعودي كله: عزمٌ يعرف وجهته، ويعرف أن العالم لا يحترم إلا من يضع كلمته في موضعها، وفعله في ساعته، ووعده في يومه.
ومن ألطف ما يمكن أن يقال في هذا السياق إن محمد بن سلمان ردّ إلى الدولة فضيلة المدى، ففي أزمنة كثيرة من تاريخ الإقليم، ضاقت السياسة بأفق اليوم الواحد، وعاشت على وقع رد الفعل، وارتضت إدارة العابر والمؤقت، أما حين يدخل المدى في صلب القرار، فإن الدولة تكسب سمة الحضارة؛ إذ تصير السنوات أمامها مادةً للبناء، لا عبئًا على الكاهل، والسؤال عندئذ يتغير: كيف نبلغ نهاية الأسبوع، إلى سؤال أرفع مقامًا: كيف نصنع صورة المملكة بعد عشرة أعوام، وبعد عشرين، وبعد جيل كامل؟ هذا السؤال لا ينهض به إلا عقل يعرف قدر الزمن، ويؤمن أن الأمم الكبيرة تعيش في حاضرها، وتعمل لآتيها، وتحفظ جذورها وهي تمضي.
وفي تراث الحكمة قولٌ نفيس:
من جدّ وجد
وقد يبدو المثل قريبًا من دروس الصغار، غير أن فيه جوهر التجارب الكبرى؛ فالجد في حياة الدول هو الانضباط، واستقامة المسار، وحسن ترتيب الأولويات، والقدرة على جعل المؤسسات تتكلم لغة واحدة عنوانها الكفاءة والوضوح والمحاسبة، وهذا ما منح المشروع السعودي وقاره، لأن الحركة حين تستند إلى نظام تكسب مهابة، وحين تسندها رؤية تكسب اتجاهًا، وحين ينهض بها قائد يعرف طبيعة العصر تكسب زمنًا إضافيًّا في سباق الأمم.
ولعل من أنفع ما يقال في وصف هذه المرحلة أن سمو ولي العهد جعل الوقت يدخل في معنى السيادة وهي هنا منزلة واسعة تتصل باستقلال القرار، وبحق الدولة في تعريف أولوياتها وبقدرتها على أن تختار الطريق الذي يليق بها من غير ارتباك ولا تردد، فحين تعرف الدولة ماذا تريد، ومتى تريد، وبأي أدوات تبلغ مرادها، تكون قد أمسكت بسر من أسرار القوة، وهذا السر هو الذي يفسر كثيرًا من حضور المملكة في الإقليم والعالم، وكثيرًا من قدرتها على أن تكون صوتًا مسموعًا، واسمًا وازنًا، وشريكًا يلتفت إليه العالم باحترام.
وسوف يأتي يوم يفتح فيه المؤرخ دفاتره على هذه الحقبة، فيجد أن الكلام عن محمد بن سلمان يصلح لوجوه كثيرة من القراءة: وجه اقتصادي، ووجه سياسي، ووجه شبابي، ووجه حضاري، وسيجد فوق ذلك وجهًا أكثر صفاءً وأبعد أثرًا: وجه الرجل الذي أعاد للوقت هيبته في حياة الدولة، وجعل العام سُلَّمًا للصعود، وجعل الموعد خلقًا إداريًّا، وجعل المستقبل مقيمًا في وعي الناس كما يقيم الضوء في نوافذ الصباح.
وهكذا يمر بعض الرجال في تاريخ أوطانهم فيغدون علامةً على مرحلة، وتغدو المرحلة نفسها درسًا في معنى القيادة؛ وفي هذا الدرس السعودي الرفيع يبدو محمد بن سلمان حارسًا للوقت الوطني، عارفًا بأن المجد يُبنى يومًا بعد يوم، وأن الحضارة ابنة الصبر والبصيرة وطول النفس، وأن الأمم التي تعرف قيمة ساعاتها تكتب أسماءها في الصفحة التي لا يطويها النسيان.