د. طارق بن محمد بن حزام
ليست القيم الإنسانية أطيافًا عابرةً في فضاء الخطاب، ولا زخارف لغويةً تُستدعى عند اشتداد الحاجة، بل هي البنية العميقة لجوهر الإنسان، والميزان الدقيق الذي تنتظم به رؤيته حين تلتبس السبل وتضطرب المعايير. إنها ذلك النسيج المشترك الذي تتلاقى عنده الإنسانية، على اختلاف المشارب وتباين المشارق، لأنها منبثقة من كرامة أصيلة، ووعي كامن بوحدة المصير الإنساني تحت قبة السماء.
وتتجلَّى هذه القيم في صور شتى، غير أنها تتآلف في مقصد واحد؛ فالاحترام صون لحرمة الإنسان، والرحمة بلسم لجراحه، والعدل قسطاس لا يميل، والأمانة ركيزة الثقة وعماد التعامل، والمسؤولية ضابط الفعل وميزان التبعة. أما السلام فيؤلّف بين القلوب، والحرية تحرس الإرادة في حدود الحق، والحكمة تهدي البصيرة إلى سواء القرار. وهي -في حقيقتها- ليست معارف تُختزن، بل أحوال تُعاش، وأنفاس تسري في تفاصيل الحياة.
ومن ثم، كانت القيم ضرورةً وجوديةً لا ترفًا فكريًا؛ فهي التي تحفظ للبشرية تماسكها، وتغرس معاني التآزر والتكافل، وتُقيم أرضيةً صلبةً لعالم أكثر عدلًا واتزانًا. وهي لا تُستجلب بقوة السلطان، ولا تُحتكر ضمن إطار ثقافي بعينه، بل تتفجر من ينابيع الضمير، وتتجدد بتجدد الزمان دون أن تنفصم عن جوهرها، وتتعاضد مع الأديان فتزداد بها رسوخًا وسموًا. غير أن هذا الصفاء المعياريّ يصطدم بواقعٍ مأزوم؛ حيث لا تضعف القيم في ذاتها، بل يخذلها الإنسان في حملها. تُشاد في المنابر، لكنها تُؤجَّل في المواقف، وتُجزّأ إذا ما تعارضت مع نوازع المصلحة، بل يُعاد تأويلها أحيانًا لتكون خادمةً للقوة بدل أن تكون نصيرةً للحق. وهنا لا تأفل القيم، بل ينحسر إشعاعها، ويخسر الإنسان صدقه قبل أن يفقد مبدئه.
وحين ينأى العالم عن قيمه، فإنه لا يفقد ألفاظًا رنانة، بل يفقد ميزانه الأخلاقي؛ تتآكل جسور الثقة، وتتصدع أواصر العلاقات، ويغيب العدل في زحمة المصالح، ويعلو صخب الصراع على سكينة التعاون. والخسارة -في حقيقتها- ليست ماديةً فحسب، بل جرح في عمق المعنى الإنساني، وخلل يمسّ روح الوجود.
وفي عصرٍ تتسارع فيه المصالح، وتهيمن فيه سطوة الصورة، تتسع الهوّة بين ما نؤمن به وما نمارسه، حتى يُتوهم أن القيم قد تراجعت، والحقيقة أنها تنتظر من يُحييها بالفعل الصادق، لا بالادعاء اللفظي.
إن مأزق القيم لا يكمن في غموضها، بل في ضعف الوفاء بها؛ فالجميع يدرك العدل، غير أن القليل من يقيمه، والجميع يعرف الصدق، غير أن الامتحان الأعظم حين يغدو الصدق كلفةً لا يُحتمل ثمنها.
وخاتمة القول: إن القيم الإنسانية لا تسقط، لأنها أرسخ من أن تُقوِّض؛ لكنها قد تُهمل حين يضعف الإنسان أو يساوم على مبادئه. وعندئذ، لا يكون السقوط سقوط القيم، بل سقوط من تخلّى عنها.
القيم باقية ما بقي الضمير حيًا.. فإن خبا الضمير، ضاع الإنسان قبل أن تضيع القيم..