أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
مع (ذي القُروح) يحلو النقاش. وحول شؤون الكتاب العَرَبي، سألته، امتدادًا لنقاشي معه في المساقات الماضية:
ـ تَرَى إقبالًا تاريخيًّا على معارض الكُتب، لكن هل يعكس ذلك وعي القارئ؟ أم هو نتيجة لحالة من النشاط التجاري؟
ـ تسمع بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه! من الصعب التعميم في هذا المجال. غير أنَّ الملحوظ أنَّ معارض الكُتب أصبح يطغى عليها دافعان: الدَّافع التجاري، ودافع المفاخرة بعدد الكُتب المقتناة، وحجمها، وتزيين المجالس والمكاتب بها. ولهذا فإنَّ الإقبال على معارض الكُتب لا يعكس دائمًا وعيًا، أو حتى حبًّا للقراءة. ونحن نعرف أنَّ كثيرًا ممَّن يقتنون الكُتب لا يقرؤونها؛ ولو كان ذلك الإقبال على معارض الكُتب يعني قراءة عَرَبيَّة جادَّة، لاختلف الحال.
ـ وتتصدَّر كُتب التنمية والروايات سوق الكُتب، فهل لهذا دلالة؟
ـ الناس يميلون إلى السهل والمسلِّي. حتى في الروايات، تجد أنَّ السوق الرائج هو سوق تلك الروايات الشعبيَّة، أو الهابطة، فنيًّا وربما أخلاقيَّا أيضًا. وهذا بالطبع له دلالة ثقافيَّة وقرائيَّة وتجاريَّة في الوقت نفسه. وهو يؤكِّد ما قلناه، من أنَّ معارض الكُتب ليست دائمًا صورة عن الثقافة والقراءة والاهتمام بالكتاب الاهتمام الحقيقي، لكنَّ هناك مآرب أخرى للناشر وللقارئ من الاهتمام ببعض الكُتب المتصدِّرة واجهات المعارض.
ـ هل تراكم المؤلَّفات اليوم غدا فائضًا لا حاجة إليه؟
ـ يظلُّ الكتاب مهمًّا، وإنْ لم يكن جيِّدًا في محتواه، فهو يعطي صورة ثقافيَّة واجتماعيَّة وحضاريَّة، لو لم تخرج إلى العلن لما استطعنا التقييم، ولما استطعنا أن نناقش مثل هذا النقاش، ولما استطعنا أن نؤلِّف كتابًا في النقد الثقافي، على سبيل المثال. فالتراكم، مهما كان سلبيًّا في بعض صوره، مفيدٌ لكشف الواقع والثقافة والعلاقة بين الكتاب والقارئ. عندما تطرح سؤالًا: لماذا يتصدَّر المبيعات كتاب الطبخ، مثلًا؟ أو كتاب الأدب من مستويات معيَّنة، كالأدب العامِّي؟ أو الكُتب القصصيَّة الخرافيَّة؟ فأنت تستطيع من خلال ذلك أن تقيِّم العقل الجمعي والثقافة. والاهتمام هذا لا يقلِّل من أهمية ذلك المنتج، عندما يُدرَس دراسةً نقديَّةً، ولا يظلُّ مجرد مادَّة استهلاكية، تُشكِّل المجتمع والثقافة العامَّة، وتُشكِّل سلوك الإنسان. فعلينا أن نُفرِّق بين المؤلَّف الاستهلاكي والمؤلَّف التوثيقي، وكذلك أن نُميِّز بين القارئ الاستهلاكي والقارئ الناقد. إذن، هذا التراكم يبدو سلبيًّا في حضوره الاستهلاكي، ولكنَّه إيجابيٌّ في حضوره التوثيقي، من ناحية، وبوصفه مادَّة للدراسة والنقد، من ناحية أخرى.
ـ كثيرًا ما يُسأل السؤال النمطي: ما الكتاب الذي أحدث نقلة نوعية في فكرك ومسيرتك؟ فهل لمثل هذا الكتاب وجود؟
ـ ليس هناك، كما أرى، كتابٌ يمثِّل نِقلة نوعيَّة في فكر الإنسان ومسيرته؛ لأنَّ الكتاب: مجموعة كُتب، وهو خلاصة مؤلِّفين كُثْر. وكذلك القارئ، أو الباحث، لا يمكن أن نختزله في أنَّه نتاج كتابٍ واحدٍ، أحدث نِقلة نوعيَّة في فكره ومسيرته. إلَّا إنْ كان هذا القارئ محدود الثقافة، وكان لأوَّل مرَّة يقرأ كتابًا فيتحوَّل تحوُّلًا جذريًّا. أمَّا إذا كان يقرأ منذ نشأته، فيصعب أن نقول إنَّ كتابًا واحدًا فعل فيه الأفاعيل. ربما صحَّ هذا في حقلٍ معرفيٍّ بعينه، كالنقد الأدبي على سبيل المثال، أن تقرأ كتابًا فيمثِّل نقلةً نوعيَّةً في مسارك. غير أنَّ ثمَّة كُتبًا كثيرة يصعب على الإنسان أن يُدرِك حصرها، أو متى أحدثت فيه ما أحدثت؟ الإنسان نتاج تراكمات قد لا يكون واعيًا بها، أو قد لا يكون واعيًا بما أحدثه كتابٌ ما فيها. ودعنا نتحدَّث في مجال الأدب، بصفة خاصَّة، فإنَّه يصعب فيه أن تزعم أنَّ كتابًا واحدًا قد غيَّر مسارك. أمَّا في العِلم، فيمكن أن تقرأ كتابًا فتنتقل به نِقلةً تُذكَر. وهذا راجع إلى الطبيعة النوعيَّة المختلفة بين هذين الحقلين (الأدب والعِلم).
ـ الكُتب التي تراها جديرة بالاقتناء قديما وحديثا؟
ـ صُبَّه رُدَّه! هذا امتداد للتساؤل الآنف. قديمًا حينما سُئل عن ترشيح بعض الكُتب أشير إلى: «أدب الكاتب» لـ(ابن قُتيبة)، و«البيان والتبيين»، لـ(الجاحظ)، و«الكامل»، لـ(المبرِّد)، و«الآمالي»، لـ(القالي). هذا أيَّام الوصفات الجاهزة! وهذا ما كان يوصي به القدماء في مجال الأدب، ولكن لم يعُد مثل هذا جائزًا اليوم. وإنَّما يمكن، بدل هذا، أن يُشار إلى (مواصفات الكتاب الجيِّد) سواء كان قديمًا أو حديثًا. وهو: أن يكون كتابًا منهاجيًّا عِلميًّا، إذا كان السؤال عن الكُتب العِلميَّة، وأن يكون مؤلِّفه من المتخصِّصين المشهود لهم في المجال الذي نريد أن نقرأ فيه، ونتعلَّم منه. أمَّا تعيين عنوانات أو مؤلِّفين، فهذا يتعذَّر، إلَّا بمعرفة القارئ أوَّلًا: ما الذي يريد أن يقرأ ؟ وما تخصُّصه؟ لكي تُرشَّح له الكُتب المناسبة.
ـ ثقافة التأليف والقراءة حاليًّا، هل فرضت نوعًا من الكُتب بحجم معيَّن ومحتوى يتسق مع الحالة الحضاريَّة؟
ـ بطبيعة الحال. لكنَّ الحجم لم يعد محلَّ إشكال، فبإمكانك أن تحمل مكتبة كاملة في جوَّالك.
ـ يقال: الكتاب الأوَّل للمؤلِّف هو كلُّ شيءٍ، وما بعده تنويعٌ واسترجاع!
ـ غير صحيح. وإذا حدث، فهو مؤشِّرٌ سلبيٌّ على المؤلِّف والمؤلَّف!
ـ ماذا عن قرصنة الكتاب؟
ـ القرصنة جريمة انتهاكٍ لحقوق فكريَّة وعِلميَّة. وهناك أنظمة وقوانين تجرِّم ذلك، وتضع العقوبات الرادعة. وهناك أنظمة للحماية الفكريَّة وحفظ الحقوق الفنيَّة. وحقوق الملكيَّة الفكريَّة هي إطارٌ نظريٌّ للحماية القانونيَّة لحقوق المبدعين والمنتجين من طائلة الادِّعاء أو السرقة. وقد انضمَّت معظم الدُّول العَرَبيَّة إلى عضويَّة ثلاث اتفاقيَّات دوليَّة لحماية حقوق الملكيَّة الفكريَّة، هي: (اتفاقيَّة المنظمة العالميَّة للملكيَّة الفكريَّة- «الويبو»)، و(اتفاقية بيرن لحماية المصنَّفات الأدبيَّة والفنيَّة)، و(اتفاقيَّة باريس للملكيَّة الصناعيَّة).
على أنَّ انضمام أيِّ دولة من الدول العَرَبيَّة إلى عضويَّة منظمة التجارة العالميَّة يصبح ملزمًا لها بأحكام اتفاقية «تربس»، وهي: (اتفاقيَّة الجوانب المتَّصلة بالملكيَّة الفكريَّة في التجارة)، وتُعَدُّ اتفاقيَّةً شاملة. ولقد أدَّت التوجُّسات من آثار حماية الملكيَّة الفكريَّة إلى ظهور منظَّمات أخرى، كـ(منظَّمة الحُريَّة الفكريَّة) Free Software Foundation، التي تسعَى إلى فتح المجال للإفادة من المنتجات، أو نقلها، أو تغييرها، أو تطويرها. ولعلَّ مخاوف منظَّمة الحُريَّة الفكريَّة من جناية «الحماية الفكريَّة» على «الحُريَّة الفكريَّة» إنَّما تتعلَّق بمجال الصناعات، أو البرامج الحاسوبيَّة، لا بالكتاب. غير أنَّ الكتاب بدَوره قد بات اليوم صناعة، وصار حاسوبيًّا، من خلال النشر الإلِكتروني، الذي تعمُّه الفوضَى غالبًا، وعدم السيطرة على ما تجري فيه من تجاوزات، قد تتخطَّى الأعمال الفكريَّة في ذاتها إلى أشخاص المنتجين. ومن ثمَّ فإنَّ عدم شموليَّة الحماية الفكريَّة سيفتح منافذ شتَّى غير تقليديَّة لاختراق تلك الحماية. وإذا أضفت إلى هذا (ثالثة الأثافي)، وأعني ما يُسمَّى (الذكاء الاصطناعي)، أدركت أنه يمكن توظيفه في (ذكاء لصوصي)، لا يرعَى حقًّا ولا يحترم حماية!
ـ ماذا عن الحال في المملكة؟
ـ الوضع الراهن لحقوق الملكيَّة الفكريَّة في المملكة يتمثَّل في الانضمام إلى اتفاقيَّة المنظمة العالميَّة للملكيَّة الفكريَّة (الويبو)، عام 1982م. كما أنَّه صدر (نظام حماية حقوق المؤلِّف في المملكة)، عام 1410هـ - 1990م. وينصُّ على مواد عقابيَّة على تجاوز تلك الحقوق. على أنَّ اتفاقيَّات الملكيَّة الفكريَّة وأنظمتها لن تحمي تلك الملكيَّة إلَّا حين تصبح محلَّ المتابعة والتطبيق، وهذا أمر بَدَهي. والواقع الثقافي العَرَبي عمومًا يكشف عن قصور عامٍّ في التطبيق؛ ولذلك تحدث الاعتداءات والتجاوزات حتى من بعض المؤسَّسات العِلميَّة، ولاسيما في الرسائل العِلميَّة من بعض الجامعات، وفي البحوث المنشورة ضمن مجلَّاتها، الموصوفة بـ«العِلميَّة».
ـ ماذا عن فكرة التسويق للكتاب والدعاية له، وهل تراها تنقص من قيمته الفكريَّة؟
ـ كلَّا. فالكتاب صناعة وسِلعة. وليس التسويق بعيب. غير أنَّ التسويق للكتاب لا يزيد من قيمته الفكريَّة، الكامنة فيه، ولا ينقص. وإنْ كان قد يَصرف عن كتابٍ أجدر بالاهتمام. مع أنَّ السِّلعة الجيِّدة تفرض نفسها في النهاية وتطرد السِّلعة الرديئة. وهذا مبدأ معروف، حتى في ميدان التجارة، الخالص لوجه التجارة.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)